منظمة الحريات للتواصل بين موظفي قطاع العدل بالمغرب
مناضلون بلا عنوان
مناضلون في أيّ مكان
نكتب سير الأبطال للأطفال
نحلم بالورد والخبز والزيت
وكتب الحب والنار
ورسم العصافير والتذكار
وعشق المطر والأزهار
مناضلون مناضلون
ماالذي يحوِّل الكفّ قذيفة
والقلب ترابا ورغيفا
ما الذي يجعل الضلوع خنادق والكلمات بنادق
غير حزن الكادحين
مناضلون مناضلون
إننا نسير نسير...لنفك قيد الوطن الأسير

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

منظمة الحريات للتواصل بين موظفي قطاع العدل بالمغرب
مناضلون بلا عنوان
مناضلون في أيّ مكان
نكتب سير الأبطال للأطفال
نحلم بالورد والخبز والزيت
وكتب الحب والنار
ورسم العصافير والتذكار
وعشق المطر والأزهار
مناضلون مناضلون
ماالذي يحوِّل الكفّ قذيفة
والقلب ترابا ورغيفا
ما الذي يجعل الضلوع خنادق والكلمات بنادق
غير حزن الكادحين
مناضلون مناضلون
إننا نسير نسير...لنفك قيد الوطن الأسير
منظمة الحريات للتواصل بين موظفي قطاع العدل بالمغرب
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» بيني و بينك ســـجـــر الـــبـــن
دليل الحياة الروحية المثلى Emptyالخميس يناير 13, 2022 4:21 pm من طرف Admin

» موسيقى بتردد 741 هرتز للتخلص من الأمراض والتشافي وتنظيف طاقة الجسم من السموم
دليل الحياة الروحية المثلى Emptyالجمعة ديسمبر 31, 2021 4:39 pm من طرف Admin

» QCM صندوق التكافل العائلي شروط و مساطر الإستفادة
دليل الحياة الروحية المثلى Emptyالخميس ديسمبر 02, 2021 2:35 pm من طرف Admin

»  QCM وحدة التبليغ و التحصيل
دليل الحياة الروحية المثلى Emptyالخميس ديسمبر 02, 2021 2:25 pm من طرف Admin

» التبليغ في قانون المسطرة المدنية
دليل الحياة الروحية المثلى Emptyالأربعاء ديسمبر 01, 2021 12:05 pm من طرف Admin

» QCM متنوع_5_
دليل الحياة الروحية المثلى Emptyالأربعاء ديسمبر 01, 2021 9:24 am من طرف Admin

» QCM متنوع_4_
دليل الحياة الروحية المثلى Emptyالأربعاء ديسمبر 01, 2021 9:23 am من طرف Admin

» QCM متنوع_3_
دليل الحياة الروحية المثلى Emptyالأربعاء ديسمبر 01, 2021 9:22 am من طرف Admin

» QCM متنوع_2_
دليل الحياة الروحية المثلى Emptyالأربعاء ديسمبر 01, 2021 9:21 am من طرف Admin

يناير 2022
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
     12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31      

اليومية اليومية

التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني



المشاركات التي حصلت على أكثر ردود أفعال في الشهر

دليل الحياة الروحية المثلى

اذهب الى الأسفل

دليل الحياة الروحية المثلى Empty دليل الحياة الروحية المثلى

مُساهمة  Admin الخميس ديسمبر 25, 2014 10:55 am

القواعد والإرشادات العامة :
كيف علينا فهم الطريق ...
هذه القواعد وضعت لجميع طلاب هذا النوع من المعرفة الروحية ، وإنه لمن الخير لنا جميعاً أن نلتزم بها ، فهي لهداية كل من يسعى لتطوير قدراته الروحية وستظل دائماً واحدةً في كل عصر وفي كل بلد مهما اختلفت أسماء المذاهب ، لأنها تركز على الحقيقة ، وقد جُرِّبت واختُبرت على مَرِّ العصور ، مُنحدرةً إلينا عبر الأجيال الطويلة حتى تسلمناها وعليها آثار من تَداوَلوها برفقٍ وعناية ، أولئك الذين قطعوا الطريق التي نَهُمُ الآن دخولها ، وهذه القواعد لكل السائرين في هذا الطريق :
- الإنسان إذا حاول الفرار من العالم قبل أن يُتِمَّ تَعَلُّم دُروسه ، رُدّ على أعقابه إليه مرةً بعد مرة ، حتى يستقرَّ فيه ويؤدي واجبه ورسالته
- يجب أن يكون سالكُ الطريقِ للمعرفة والتنور شجاعاً ومسيطراً على عواطفه الطبيعية
- يجب أن يسمو الإنسان حتى يستطيع أن يَسمعَ الأشياءَ وهو يبتسم مطمئناً لِعِلمهِ بحقيقة النّفس وقوتها وبما قُدّرَ لها ، ويجب أن يَكبرَ الإنسان حتى يكون قادراً على أن يَسمَع الكلمة القاسية والنقد الجائر والتعريض اللاذع بدون أن يَترُك في نفسه أثراً ، وأن يَدَعَ المنغّصات في مستواها المادي الذي يَخُصّها ، ولا يسمح للنفس أبداً أن تهبط إلى حيث يمكن أن تتأثر بها
- يجب أن يتعلم الإنسان أن يسمع عبارات السخرية والاحتقار توجه إلى مُثُلِهِ العليا ممن لا يدركون ، إذ لا لومَ عليهم ، لأنهم يفعلون ما لا يُدركون ، ولتبقى عبارة : ( قبَلَ أن يستطيع الصوت أن يرتفع بالكلام مع العارفين ، يجب أن يَفقدَ القدرةَ على أن يَجرَح )
- أقتُل الطّمعَ وحب الذات
- أقتُل رغبةَ الحياة
- أقتُل الرّغبة في التَرَف
- اعمَل كما يعمل الطامعون والطامحون واحترم الحياة كما يحترمها الراغبون في الحياة ، وكن سعيداً مثل أولئك الذين يعيشون وهدفهم السعادة
إن كل تعريف للحقيقة ما هو إلا تعريف جزئي ، ولكل قضيةٍ وجهان سَليمان ، فابحث تَجِد لكل حقيقةٍ وجهاً آخر غير وجهِها الأول ، كل تعبير يُقصد به أن يشمل الحقيقة بوجهيها ، يجب أن يتخذ شكل الأحجية ، ذلك لأن وجهة نظرنا المحدودة لا تُمَكننا أن ندرك إلا ناحيةٍ واحدةٍ في الوقت الواحد ، أما وجهة النظر غير المحدودة - اللانهائية - ، فإن كل النواحي تظهر دفعةً واحدة … إن الكرة تظهر للناظر الغير محدود من كل جوانبها ، وحتى من داخلها تظهر له كما يظهر ظاهرها
- إن مفتاح فهم هذه الحقائق وما يماثلها ، إنما هو بالقدرة على التمييز بين النسبي أو الأدنى وبين المطلق أو الأعلى ، فالطموح أو الطمع والأنانية هي التفاخر والزهو والأنانية التي تدفع الإنسان إلى سَحقِ كل من يعترض طريقه من غير رحمة ، هذا طموحٌ زائفٌ يختلف عن الطموح الحقيقي ،… وهو شبيهٌ بالجوع الكاذب للطعام إذا ما قيس بالجوع الحقيقي الذي يُعبّر عن فراغ المعدة وحاجة الجسم إلى عناصر البقاء في صورة الطعام
- إن كل إنسان له في الدنيا عملاً عليه أن يؤديه بأحسن ما يستطيع ، بشراحةِ صدرٍ وبكل ما يملك من مهارة ، وأن يَترُك نفسه تجيد هذا العمل كأحسن ما يكون ، لتكون سباقةً على غيرها في هذه الجودة ، ليس بُغية الظهور على الغير والانتصار عليهم ، بل لأن الحياة تحتاج إلى التحسين والتجديد
- علينا أن نؤمن بوجود قوةٍ إلهيةٍ دافعةٍ إلى الخلقِ والإبداع في كيان كل رجل وكل امرأة ، وعلينا أن نَحضُّ على تمكين هذه القوة من أداء رسالتها على أحسن وجه ، وأن العمل المنتج هو سبيل التقدم الروحي ، بل أهم عنصر من عناصره
- أقتل الطمَعَ الذي يَربِطُكَ بنتائج العمل وأجره ، والذي لا يَجُرُّ في أعقابه إلا الحسرة وعدم التقدم الروحي ، ولكن تَمَسّك بالأمل الذي يدفعك إلى أن تعمل لِتُرضي بعملك غريزة حُبّ الخَلق والإبداع التي وضعها الخالق فيك ، دع قدرة الخالق تؤدي عملها ، إفتح كيانك كُلّهُ لها لِتجوسَ خلالك حتى تتذوق شعور الفرح الذي يسببه العمل ، فهذا هو الطموح الحقيقي أما العمل الذي ينظر صاحبه إلى أجرِهِ قَلَّ أو كَثُر ، فهو عمل زائفٌ يسبب انكماش الروح وتصغيرها
- أقتل الرغبةَ في الحياة ، احترم الحياة كما يحترمها الراغبون في الحياة : يجب على الإنسان أن يمحو من العقل فكرة أن الحياة الدنيا هي كل شيء ، فإن مثل هذه الفكرة تَحولُ دون الإدراك الأسمى للحياة ، حياة النّفس ، وتجعل حياة الجسد هذه كلّ شيء بدل أن تكون مثل حبة رملٍ على شاطئ البحر الذي لا نهاية له
- يجب أن يعلم الإنسان أنه سيظل حياً دائماً ، سواء كان في الجسد أو خارجاً عنه ، وأن هذه الحياة الجسدية الفانية شيء تستعمله النفس التي لا تموت ، لذلك يجب أن تَقتُل تلك الرغبة في الحياة التي تَحمِلُكَ على الخوف من الموت ، والتي تجعلك تولي هذه الحياة الجسدية فوق ما تستحق من الاهتمام الذي يبلغ حد الإفتئات على الحياة الأوسع ، حياة الروح ووعيها
حياتنا الأبدية كيف نفهمها : ...
- اقتَلِع من عقلك تلك الفكرة القائلة بأنك تنتهي حين يموت الجسد ، لأنك بعد موته تظل حياً كما أنت الآن ، بل ربما كنت أكثرَ حياةً ، إعطِ للحياة الجسدية حقيقة قَدرِها ولا تكن مخدوعاً ، وكُفَ عن النظر إلى الموت نظرة الرُّعب والهلع ، سواء أقبل عليك أو أطبق على من تُحِب ، فالموت طبيعي كالحياة تماماً في مرحلتنا هذه من التطور ، علينا أن نَسعَدُ به كما نَسعَد بالحياة
- تُبشِّر جميع الديانات بالحياة الأخرى التي يجب أن يَصبو لها المؤمنين ، لكن هؤلاء يرتجفون ويرتعدون لفكرة الموت ، ويلبسون السواد حِداداً بدل أن يَنثروا الزهر ، لأنه انتقال إلى دارٍ أوسع وأرحب وأفضل …
- يجب أن يحس الإنسان بالحياة الدائمة المستمرة وأن يَعيها وعياً إيجابياً قبل أن يستطيع أن يتخلص من هذا الخوف القديم ، ولن تستطيع ديانةً أو عقيدةً أن تُحَقِق هذا الهدف حتى يصل الإنسان إلى تحقيق هذا الإحساس ويَعي هذا الوعي ، وبذلك يكون قد قَتَلَ الرغبة في الحياة القصيرة لِيَحِلّ محلها عِلمٌ بحياة دائمة لا نهاية لها
- جَسدكَ هِبةً من القوة الخالقة لِحِكمة ، وهو في الواقع هيكلُ الرّوح ، وبدونه تكون غير قادرٍ على العمل للوصول إلى الصفاء الروحي ، وإن احتقارك للجسد والحياة كَمِثلِ رفضك للسُّلم الذي يساعدك على الوصول إلى العُلا
- يجب أن يُعتبر الجسد آلة النفس والروح وَعِدّتهما ، وأن يُحتَفَظ به نظيفاً صحيحاً قوياً إلى أبعد حَدٍ ممكن ، ويجب الالتجاء لكل وسيلةٍ لإطالةِ مُدّة الحياة فيه لأنك لن تُمنَح الفرصة الأخرى للقيام بما يُتاحَ لك الآن من اختبارات ، فالحياة ـ الحياة ـ مزيداً من الحياة …
- عِش كلّ لحظةٍ من حياتك معيشةً قويمةً صحيحةً معتدلة ، عارفاً لها حق قدرها ، غير آسفٍ على ماضٍ ولا خائفٍ من مستقبل ، فالإنسان الواعي لا يخاف الموت ولا يطلبه ، ولا يتعلق بأي منهما ويرحب بهما جميعاً ، تَذَكّر هذه الكلمات : لا تخاف الحياة ولا الموت ولا تطلبهما ، فإن بلغت هذه الدرجة ، عَرفتَ حقيقة أنهما في الواقع مظهران للحياة
- يعتقد رجال الدين أن الشيء الذي يبعث في النفس السرور واللذة يجب حتماً أن يكون شراً ، ويبدو أن هناك عقيدةً سائدةً بأن الله يَجِدُ مَسرةً في مصائب الناس ، وفي رؤيتهم تعساء عاملين ما لا يَسُرهم ، حتى أن الكثيرين يَعبسون لمباهِجِ الحياة العادية ويؤمنون بأن حتى الابتسامة عَمَلٌ يغضب الله ، … ما هو مطلوب من الإنسان هو أن يكون دائماً سيداً لا عبداً لمباهج الحياة ، ففي بعض الطرق توصي التعاليم بِتَنمية الإرادةِ وتقويتها ، وتفرض على تلامذتها رياضات تتضمن أموراً كريهة قَلّ من يستطيع الصبر عليها ، ولكن فرض هذه الرياضات ما هو إلا لتقويةِ إرادةِ الإنسان وليس لأن في الأمور الكريهة نفسها فائدةً أو فضيلة ، الفكرة هي في التَمَرّس على المقاومة والصبر على الحرمان ، وعلى الأعمال التي لم يَتَعودها الإنسان لِيتولّد منها قوة احتمالٍ وإرادة .
- إنّ الإمتناع عن مُتعةٍ أو القيام بعمل فيه مشقةٍ كالامتناع عن الطعام في الصيام ، أو قيام الليل في الصلاة ، لهو رياضةً شبيهةً بتمرين عضلةٍ على تَحَمّل ما لا عَهدَ لها به حتى تقوم به بيُسرٍ وسهولة
- الروحانية تدعو إلى البساطة في العيش ، لأنها ترى أن الإنسان إذا تأثّر من الأشياء التي يملكها ، كان عِرضةً لأن يَدَع تلك الأشياء تَتَملّكهُ بدل أن تكون مُلكاً له ، وبذلك تعيق تَقَدُّمهُ على طريق صفاء العقل والتحرر والانعتاق ، وصولاً إلى السعادة الحقة ، والتي هي دائماً تأتيك من داخلك
- إن تَفَهّم الإنسان للحياة ، يرفَعَهُ فوق مخاوف البشر ، وعلمه بمصيره يرفع معنوياته وَيُمكّنهُ من أن يعلو فوق العاصفة ، ليشعر بأنه أسعد الناس لأنه تخلّص مِنَ الخوف ، إذ علم أن ليسَ في الوجود ما يخشاه ، ولأنه جاوز طور خرافات الناس ، تلك التي تُنَغّصَ حياة الكثيرين وتجعلهم في همٍ دائم ، وبذلك ينبذ الكراهية والحقد ليحل محلها الحب ، ويعلم أنه صَنيعة الله وأنه من عياله الذين خَلَقَهُم لغرضٍ جليل ، وأن الله مثله كمثل الأب الرحيم ، والأم الرؤوم ، لا الحاكم القاسي والغليظ القلب …
- ابحَث في القلب عن مصدر الشر واقتلعه ، إن الشر ينمو ويترعرع في قلب الإنسان الطيب وقلب صاحب الأطماع على السواء ، وأصحاب العزيمة دون غيرهم الذين يقضون عليه ، أما الضعفاء ، فيتركونه ينمو ثم يثمر ثم يجف ويموت …
- عليك أن تعِشْ لا في الحاضر ولا في المستقبل ، ولكن في الأبد ، فَنَبتتكَ حتى الآن لم تعش ولم تنتعش في ظلال الأبدية ،
- أُدخُل في حياة الروح متخلصاً من العادات السيئة ، بالاستعاضة عنها بعاداتٍ طيبةٍ مُضادةٍ لها ، فالإقلاع عن عادة سيئةٍ بقوة الإرادةِ عنوةً واقتداراً ، لهو عمل يحتاج إلى قوة فوق طاقة البشر ، ولكن إزهاقها بالتضييق عليها ، وبغرس عادةٍ مضادةٍ لها لتنمو وتحل محلها ، أسهل بكثير ... وتلك هي خطة الطبيعة في التخلص مما هو غير مرغوب فيه باستمرار …
- يتوجب علينا التَّخلّص من الغرائز الحيوانية وأن لا نسمح لها بالسيطرة والتحكم علينا ، بحيث نظهر الحزم وتحكيم سلطان العقل ، فإذا شعرنا أن هذه الغرائز ستعود لتنطلق من جديد ، فلا نخاف من ذلك طالما أن عقلنا أصبح مُدركاً أن هذه الغرائز هي حقاً حيوانية ، وبذلك يكون النمو الروحي قد بدأ ، وبذلك بدأت تَتَعرف وتتلمس وجوده وتخجل منه ، بينما كنت من قبل لا تشعر بوجوده ولا تتخيل وجوده ، لأنك كُنتَ الوحش نفسه ، إن مجرد شعورك بالخجل منه ، دليلٌ على أنك بدأت تفرق بينه وبين نفسك ، وبذلك بدأت تنفصل عنه ، وهنا يجب أن تتعلم ترويض الحيوانات المفترسة ، فإن في كيانِكَ سيركاً كاملاً منها إن فيك السبع والنمر والضبع والقرد والخنزير والطاووس وغيرها ، كل منها يحاول أن يُظهرَ فيك شيئاً من خِصاله ، فلا تخفها ، ولا تخشاها ، ابتسم لها كلما ظَهَرت ، لأنك أقوى منها وأنت قادر على إخضاعها ، وظهورها يُفيدكَ لأنه يُنبهك لوجودها ، إنها فرقة مُسَليةٌ عندما تبلغ مرحلة تستطيع فيها أن تقف جانباً لتراقبها ، عند ذلك تتأكد أنّكَ لستَ إياها فلا تَأبه بها لأنك السيد المسيطر عليها
- تَعَلّم أن ليسَ فيك ولا في أي إنسانٍ صفةً أو استعداداً لصفةٍ ليست لسائر البشر ، يَصِلونَ إلى التّحلي بها مع الزمن ، لذلك لا تَغُرّنكَ الكبرياء والتقدم في المعرفة بالإعراض عن الآخرين والتكبر عليهم ، فإذا أحسست في وقت ما ، بِمَيلٍ للاعتزازِ بالنفسِ أو الغُرور ، فَتَذّكر أنك بالقياس إلى بعض الذين سَبَقوك منذ أمدٍ بعيدٍ في اجتياز هذا الدور الذي ما زلت أنت فيه ، تَذَكّر أنك بالنسبة لهم كالفراشة إذا ما قيست بِك …
نظرية العيش في المطلق ...
· عِش لا في الحاضر ولا في المستقبل ، ولكن في الأبَد ، فالنظرةُ المطلقةُ تجعلنا نرى أن الزمان والأبدية شيءٌ واحد ، إنها تُرينا أننا في الأبدية الآن تماماً كما سَنكونُ في أي وقتٍ في المستقبل ، إنها تمحو الخطأ الناشئ عن وضع خط عريضٍ فاصلٍ بين وقت الحياة الفانية والأبدية التي ندخلها عندما نَترُك هذا الجسد ، واحذر من السقوط في خطأ الذهاب إلى النّقيض ، باحتقار الحياة الراهنة جَرياً وراءَ الحياة الأخرى ، فهذه الحياة جزءاً من الكل وتزول الصعوبات في التفرقة بين الحاضر والمستقبل ، عندما ننظر إليها من وجهة النظر المطلقة ، فعندما تتحقق من أنّ الأبد هو الشيءُ الوحيد الحقيقي ، وأن الآن هو كل ما نستطيع أن ندركه من الأبد بِقوّتنا الواعية ، وأن الآن يرافِقُنا دائماً ، ومهما قطعنا من الوقت ، فنحن في الحاضرِ دائماً ، عندما نعي ذلك يزول ما كان للمستقبل والحاضر في أنفسنا من معاني ، ويصبح الزمان والأبد ، هو الأمس واليوم والغد ، وكلها مظاهر مختلفةٍ للآن ـ الحاضر ـ الأبدي العظيم ، الذي نعيشُ فيه كل لحظةٍ من لحظات وجودنا
· أقتل كلّ إحساس بالانفصال
· أقتل الرّغبة في إشباعِ الحواس
· أقتل الرّغبة في النمو
· ومع ذلك قف وحيداً معتزلاً ، فما مِن كائنٍ ولا من شيء مما يحسُ بنفسه منفصلاً ، ولا شيء غير الأبدي يستطيع أن يَنفعك أو يُساعدك ، تَعلّم من رغبات الحواس ،وراقبها ، فبذلك وحده تستطيع أن تبدأ علم معرفة النفس ،
· عليك أن تنمو كما تَنمو الزهرة بلا وعي ، ولكن شغوفةٍ لتتفتح للهواء ، كذلك يجب أن تَشُدَّ الرّحال نحو تَفتُّح نفسكَ لما هو أبديٌ وخَيِّر ، بحيث يجذب قوّتك نحو النمو ، لا أن تكون الرغبة في النمو هي التي تدفعكَ ، لأن النمو يجب أن يكون كسباً في ميدان النقاء والسلام ، لا من خلال القسوة وتضخم الأعباء على الجسد
· الحياة كلها تسير على الطريق ، نحن جميعاً نتقدم ببطء ، تَزُلّ بنا القَدَم فنرجع للوراء خطوتين من كل ثلاثٍ خطوات نَخطوها ، ولكن علينا أن نتحاشى أن نَقول لأحدٍ : لماذا أخَّرتَنا في التّراجُع ، وأننا أتقياء أكثر مِنك وأطهَر ، لنتعلم أن حياتنا هي مِلكنا الخاصّ بنا ، يجب أن نحياها نحن أنفسنا ، فلا يمكن أن يحَمل عِبئها عنا أحد ، يجب أن يقف كلٌ منا على قَدَميه ، لا يَستندُ على أحد ، فكلٌ يؤدي حسابهُ عن أعماله ، وكلٌ منا مسؤولٌ أمام الله وضميره فقط ، وكل نفسٍ عليها أن تنسج بيديها مصيرها ولا تستطيع نفس أن تَقومَ عن نفسٍ بسعيها ، ويجب على كل نفسٍ أن تَتعلّم التَطلُّع إلى النجدةِ في حَنايا نَفسِها ، فالنّفس أبديةٌ غير قابلةٍ للفناء ، لا تَغرق في الماء ولا تحرقها النار ، إنها كائنة وستظل كائنةً إلى الأبد ، وعند الحاجة تتجه إلى الكلية ، فهناك كلّ ما تحتاج …
· أقتُل الرغبةَ في إشباعِ الحواس ، تعلم من رغبات الحواس وراقِبها ، فبذلك وحده تستطيع أن تبدأ دراسة علم معرفة النفس ، فتضع قدمك على أول درجةٍ من السّلم ، وهذا لغزٌ نبحث له عن مفتاح : أن نَكُفَّ عن الرّغبة لأن لِذّاتِ الحواس تَتَعلّق بمستوى المادة النسبي الدنيا ، إذ نبدأ بمباشرة ما تَستريح إليه الغرائز الدُنيا ، ثم بالتَدرُّجِ نَسمو على الاستمتاع ببعض لذاتِ الدُنيا ومنها إلى مُتَعٍ أسمى وأرفع ، ويجب أن تَحذرَ النفس من الخُضوع لما هو ثَقيلٌ عليها ، بحيث تبقى سهلةَ الحملِ لمواجهة تَسلُّقِ المرتفعات ، ويجب أن نقطع ما يَربط النّفس بإشباعِ رغبةِ الحواسِ بجرأةٍ حتى تستطيع السير ، ولهذا يجب قَتلَ الرّغبةِ في إشباع الحواس ، وليس قَتلَ الحواسِ نفسها ، ويعني هذا التّخلُص من العبوديةِ للحواس ، فإذا لمسنا في أنفسِنا حَنيناً للاستجابةِ لرغبةِ حاسةٍ من الحَواس ، يجب أن نُحلِّل هذا الحنين مِن كُلِّ جوانبه ، وَنَزِنَ كلّ معانيه بَدلَ أن ننظرَ إليه برُعبٍ ونفور ، فهذه الاحساسات جزءاً من كياننا ، إنها تَنبُع من العقل الغَريزي ، وهي ميراثنا من المراحل الدُنيا السابقة ، من مراحل تطورنا السابقة ، فلا نَخافَها على أنها من عمل الشيطان ، فليس ثمّةَ شيطانٍ إلاّ الجهل والخوف
تطور ونمو كيان النفس
· نمُو النفس الطبيعي يشبه نموّ الزهرةِ التدريجي ، حتى لا تكاد تَشعر به ، فهو يأتينا بالبشر والانشراح عِندما نُسَلِّم أنفسنا لمصدرِ القدرة وواهبِ الحياة ، فإذا استسلمت النفس واطمأنت ، أشرقت الروح فأضاءت الوعيَ فاستنارَ بِها ،
· ضَع نَفسكَ بين يَدي الخالق واتركها تَنمو كالزهرةِ ، إنك بذلك سَتجدُ نفسكَ تزداد كلّ يومٍ نِعمةً ، وستجد نفسك عاماً بعد عام تَقطعُ الطريقَ مرحلةً بعد مرحلة ، وقد يَبدو لك أنّكَ أنت كما أنت لم تُحرِز تَقدُّماً ، وأنَكَ في عامِكَ هذا كما كُنتَ في عامِك السابق ، ولكن قارن نفسكَ اليوم بنفسِكَ بالأمس ، يَظهرُ لك مدى تَقدُّمِكَ ، فَسِر في طريقكَ ، واعمَل خَير ما تستطيع أن تعمله ، مركزاً عنايتك على أمرِ يومِك ، غَيرَ آبه أو مُهتَمٍ بِغَدِك …
· أطلُب ما في داخل نفسِك فقط
· أطلُب ما نأى عَنك
· أطلُب ما لا سبيلَ للوصولِ إليه
· ففي نَفسِكَ نورُ العالم ، نور الكون كله ، النورُ الوحيد الذي يمكن أن يُلقي ضوءاً على الطريق ، فإن لم تَستطِع أن ترى النور الذي في نَفسِك ، فَمِنَ العَبَث أن تبحثَ عن هذا النّور في أيّ مكانٍ آخر
· أطلُب ما في داخل نفسك ، فإن الروّح هي الحقيقةُ الوحيدة ، وهي موجودةٌ في كلٍ منا ، ففي نَفسِكَ نور العالم ، النّور الوحيدُ الذي يمكن أن يُلقي الضوءَ على الطريق ،
· أطلُب فقط ما نأى عنك ، إنه ناءٍ عنك لأنّكَ حينَ تَصلُ إليه ، تَكونُ قد فَقدتَ نَفسَك ، إنّه دائماً ناءٍ عَنك ، فإذا اتَحَدتَ بهِ ، تَلاشَت نفسكَ المقيّدة التي تَعودتها وعَهِدتها ، وحَلّت محلّها نفسٌ أعظم ، أنتَ ذهبتَ وحلّت محلّها أنتَ أُخرى جديدة وأكبرَ عِظَمه ، …
· وللتوضيحِ نَقول : يَتَطلع الطِّفل إلى الرُّجولة ، إنها ما زالت بَعيدةً عنه ، ومع ذلك فهو نواتها ، وعناصرُ الرجولةِ كلهّا في كِيانه تَنتظر حتى تَنضج ويحينَ وقتها ، ولكن إذا بَلَغَ الطفل الرجولة ، يكون الطفلُ قد اختفى ، لقد فَقَدَ نفسهُ وحَلّت محلّها نفسٌ أكبر وأعظم ، وهكذا فإن الشيء الذي يَتَطلع إليه الطفلَ يَفقدُ نفسهُ في سبيلِ الحصولِ عليه
· أطلُب ما لا سبيلَ للوصولِ إليه ، فما لا سبيلِ للوصولِ إليه دائماً يَنحَسِرُ ويَبتعد ، إنّكَ تَدخلُ النور ولكن لن تَمَسَّ اللّهب ، فَكُلّما نَمَت النّفسُ وتفتّح الوعيُ الروحي عَظُمت النفسُ وسَمَت ، وكلما ارتفعنا على جَبَل المعرفة ازداد المنظر روعة ، لكن قمة الجبل التي بدت لنا على بُعدِ خطواتٍ فإنها تبتعدُ عنا مع كلِّ خطوة ، ولكنّ لا يُصحِبُ ابتعادها مرارةً ولا خيبةَ أمل ، فَمَع كُلِّ خطوةٍ شعورٌ بلذةٍ عارمة ، ذلك دائماً هو الحال في التَّقدم للصفاء النفسي ، وإنَّكَ سَتصلُ حَتماً لِقمَّةِ المُرتَفع ، ولكن حين تصل إليها تجدُ أمامك مرتفعاتٍ أُخرى تَزيد أضعافاً عن التي خَلَّفتَها وراءِك ، لكنّ ذلك لن يضيركَ مع ما تشعر به أنّكَ تتقدم وتقترب من النور ، فلا تحزن إذا كنتَ لا تُبصر النهاية ، إنّكَ مُقَدَّرٌ لكَ لأن تُصبح شيئاً عظيماً لا يُذكرَ بجانبه حاضِركَ ، ولا يمكن مهما اشتطّ خيالك وأسرفَ في تَصوراتهِ ، أن يُعطيكَ أقلّ فكرةِ عن هذه العَظَمة ، إنها ما لا عيناً رأت ولا أُذُناً سَمِعَت ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَر … تَمتّع بالنورِ الذي تَكشَّفَ لك ، ولا يُقلّل من فَرَحِكَ إن قيلَ لكَ أنّكَ لن تَلمِسَ اللّهب ، إنّكَ لم تبدأ في إدراك كُنهِ النور ، وأنتَ عن إدراك اللّهبِ أعجَز
· -أطلُب القوّةَ في عَزم
· أطلُب السّلامَ في حرارةٍ وإخلاص
· أطلُب الامتلاكِ قبلَ كُلِّ شيء
· ولكنَّ هذه الأشياء التي تطلبها كلها يجب أن تكون للروح الصافية ، ولذلك تكون مُلكاً لكل الأرواح ، ولكنها لا تكون لها إلا حين تتحد ، فاطلب إذن هذا الذي تستطيع الروح أن تَتَملّكه ، فإنك بذلك تحصل على ما يزيد ثروة الروح المتّحدة التي هي روحُكَ نفسِها ، واطلُب السلام الذي لا يُعكِّر صَفوهُ شيء ، والذي تنمو فيه الروح كما تنمو الزّهرةَ على سطح المياه الساكنة
· أطلُب الطريق أمامك
· أطلب الطريق بالدُخول في ذاتِ نَفسِك
· أطلب الطريق بالسَّيرِ قُدُماً إلى الأمام
· دَع العالم وَبَنيه في أفكارهم ، فلا شأن لكَ بهم وسر وراءَ قوةِ الروح ، لا يَعنيك رأيُ الناس فيك ، أطلُب السّلام بحرارةٍ وإخلاص ، ذلك السّلام الذي يأتي من أعماق النّفس ، لتَتَمتّع به ولو كنتَ في غِمارِ مَعركةِ الحياة ، أقِم لنفسِكَ مِحراباً في داخل نَفسِك ، حيثُ يسودُ السُّكونُ ، وحيثُ تلجأ نفسك لِتَستَجمَّ إذا أتعَبَها الحِمل ونائت بهِ ، فتَجِدُ السَّلام معك ، فليكن معنا جميعاً ، وليُقيم فينا باستمراًر …
طلب الطريق للتنور الروحي
· أطلُب الامتلاك فوقَ كلّ شيء ، وهذا الذي تطلبهُ يجب أن يكون روحانياً صافياً ، تستطيع كلُ روحٍ صافيةٍ أن تتملكهُ فيكونُ ملكاً شائعاً لكلُ النفوس ، وماذا تستطيع الروحُ أن تمتلك ؟… المعرفةُ فقط … وما عَداها باطلٌ وزائِل ، فالعِلمُ الأعلى لا تبلغه إلا النّفسُ الصافية التي تستطيع أن تُدرك وجودِه ، هذا العلمُ شائعٌ لمن يطلبه ويستحقه من أهلِه ، لا محتكرينَ له ولا حلقاتٍ من المستغلين له ، مهما ادّعى بعض الناس الاختصاص به ، إنه شائعّ كالماء لمن يطلبه ويستحِقه ، ومع أنه أغلى المقتنيات ، فهوَ مجاناً لأهلِه ، إنّه يزيدُ ثروة الروح المتّحِدة التي هي روحك نفسها ، إنك حين تحصل على العِلمِ الروحي لا تحصل عليه لنفسكَ فقط ، بل لغيرك أيضاً ـ لخير البشرية كلها ، إن من ينالهُ يساعد وينشر البَرَكةِ ، ويُطوِّر ويرفع مستوى الفكرِ البشري نحوَ الكمال ، كما انتفع هو بفضلِ من سَبَقهُ على الطريق ، وسينتفعُ مَن هُم بعده من الأجيال القادمة بِفَضله ، نحن ذراتٌ في كيانٍ هائل ، وما تكَتسِبه ذرّة واحدة ، إنما هو كَسبٌ للكل .
· أطلُب الطريق أمامك ، اسألوا تُعطَوا ، فالأشياء التي لك تهبطُ إليك ، واعلم واثقاً كما تَثق بوجودك ، أن كل كلمةٍ تُقال في أيّ مكانٍ في هذا العالم وقُدِّرَ لكَ أن تسمعها ، فلا بد أن تسمعها ، لا بُدَّ وأن تَصلَ إلى سمَعِك ، وأنّ ما قُدّر لكَ أن تحيطَ به من مُثُلٍ أو كتبٍ أو حِكمة أو أسرار ، لا بُدّ أن تجد طريقها إلى عِلمكَ بطريقٍ مباشرٍ أو غيرِ مُباشر ، ولا دليلٌ على ذلك إلا مقولةَ أن الحقّ أبلج لا يحتاجُ إلى دليل ، وإنما هو دَليلُ نَفسِه ،
· إن مَلَكاتِ العقلِ الروحي حين تستيقظ ، تدرك الحق بوسائلها الخاصةِ بها ، فالعقل الروحي لا يتعارض مع المنطق والعقل السليم ، لكنه يتجاوزه ويُدرك ما وراء قوةِ الإدراك المعتادة ، فإذا سمعتَ أو قرأتَ شيئاً يقال لكَ أنّه الحق ، فاقبل ما يرضاهُ وَعيك ، وَدَع ما لا يقبله مؤقتاً حتى يحين وقته وتتيقن من فحواه
· لا تجزَع إذا وجدت أنكَ لا تستطيع أن تعي كل ما تسمع أو تقرأ ، وتجاوز ما لا يتردد صدى صوته في حَنايا نفسِك ، فيوقظ روحك للاستجابة له
· إن للكتُب نفعُها وللأساتذة والمرشدين نفعُهم ، لأنهم يقترحون عليك ويقدمون لك الحلقات المفقودة ، يضعون في يدك أطرافَ خيوطَ الفكر وعليك أنت أن تتبع الخيط بقَدرَ استطاعتك ، إنهم يفتحون أمام عقلك آفاقاً بقدرِ ما وصلَوا إليه من نور الروح ، خافتاً أو منيراً أو متوهجاً ، ولكن عليك بنفسك استلهام الحُكم فيما ألقيَ إليك من تعاليم ، فهي خيرُ قاضٍ يقضي بما سمعته ، فإن تجرّدت عن الهوى والميولِ تحت بأثير العادة أو البِدَع ، استمع للصوتِ الذي ينبعثُ من قرارةِ نفسِك ، وانظر لداخل نفسك بثقةٍ وأيمانٍ ورجاء ، ثم أعد النّظرَ مرَتين ، فهنالك النورُ الذي تأتي منه بالقبس ، أو تجد فيه الهدى …
العقل الروحي وتجلياته
· أطلب الطريق بالتراجع إلى داخل نفسِك ، فالقوّةُ المفكرةُ باردة ، والعقل الروحي حارٌ يموج بالكثيرِ من المشاعر السامية ، ومنه تفيضُ الإلهامات ، فالشعراء والرسامون والكُتاب والخطباء وغيرهم من الموهوبين ، تَلَقوا منه هذه الإلهامات منذ القِدَم ، ومن هذا الَمعين يَتَلقى الحكيم حِكمته ، أطلب الطريق بالسّير إلى الأمام بجرأة ولا تخف ، إنّ شيئاً لا يستطيع أن يضرُّك ، لأنّكَ روحٌ حَيٌة أبدية ، فتَشَجع وأنظر حولك إلى ما يدور في هذا العالم ، وتعلّم من ذلك دُروساً ، أنظر إلى كل شيء على أنّه الحياة ، ولا تأسَى على شيء ، أنظر حولكَ وتأمل ما يفعل الإنسان ، ماذا يقول الناس وبأي شيء يفكرون ، إن كل ما يقع في مكانه مناسبٌ لأصحابه ، أما أنت فمكانك في حالِك ، فَكّر وقُل واعمل ، إنه مُيسرٌ لكَ لأنك خُلقتَ له ، فهذا مستواكَ الذي بلغَتهُ نفسٌك في طريقِها إلى الكمال ، ولكن لا تَسخَر من أحد ، ولا تحتَقِر من تراهم في مستوياتٍ متدنية ، إعلَم أنّ الحياةَ تتألف من كل كائن حَيٍ صَغُرَ أو كَبُر ، وأنّ الصغيرَ يكونُ جزءاً منها كما هو الكبير ، والصالح يملأ فراغاً كما الطالح يملأ الفراغ ، لا غِنىً للجميع عن أي جزء مهما صَغُر ، وأنت جزءٌ من هذا الكُل ... أشعُر بموجةِ الحياة ترفعُك واستسلم لها والقِ بنفسِكَ على صَدرِها ، لا تخشَى أن تبتلعُكَ في جوفِها ، لأنّكَ إن استسلمتَ لها رفعَتك ، فلا تخشَى ظاهرَ الحياةِ وموكب حركاتها الحافل ، فعندما تفزع منها تنطوي على نفسك في هيكل الروح الذي هو القلب ، فظاهرها وباطنها كلاهما مقبول وجيد في مكانهِ ووقته .
· إن كلّ إنسان بنفسه لنفسه هو الطريقُ والحقُ والحياة ، ولكنه يكون كذلك فقط حين يمسك بزمام شخصيتهِ كاملةً وفي حَزم ، ويدرك بقوةِ إرادةِ الروح التي استيقظت فيه ، إن تلك الشخصية ليست هي ذاته ، ولكن ذاته هي ذلك الشيء الذي خلقه بالعَرَق والدموع ، بكفاحهِ وجهادهِ ليصل بفضيلته وبقوة إدراكه إلى ما وراء هذه الشخصية الفانية ، إلى الحياة الحقيقية ، حياة النور والروح ،
· حين يدرك الإنسان أن الحياة التي حوله والتي يحيا في غمرتها إنما وجدَت له ، ولكيانه هذا العجيب المعقد ، عند ذلك يكون حقيقةً على الطريق ، … أطلُب الغوصَ في أعماقِ هذا الكيان الذي تكتنفهُ الأسرار ، لتختبر كل حال من خلال حواسِّك حتى تُدرك نمو الشخصية ، وتفهم معناها ومدى غموض وجمال الشخصيات الأخرى ، التي تعيش معها تلك الذرات الإلهية أيضاً ، والتي تجاهد مثلك وتكافح معك ، أطلب دراسة الأسرار والقوانين للطبيعة والوجود وما ورائها وما فوقها ، أطلبها بانحناء النفس إكباراً وإجلالاً لذلك النِجم الخافت الذي يومض في أعمق أعماقك ، فكلما أمعنت في التأمل ، ازداد نوره قوة ، وعندئذ تعلم أنك اهتديت لأول الطريق وعرفتَ البداية ، فإذا واصلتَ السير في الطريق إلى غايته ، تحوّلَ الضوء فجأةً إلى النور اللانهائي ، نور السماوات والأرض ، وهذه القاعدة يجب على كل طالب لعيش واختبار الحياة الروحية ويطمع بالإرتقاء لمدارج الطريق ، أن يقرأها بإمعانٍ وتَدبُر واستيعاب أيضاً ، لأن فيها الكثير الذي لا يُدرَكُ في القراءة الأولى ولا حتى في قرائتها للمرة المائة ، لأن معانيها تَتَكشّف لك على قدرِ ما يتناسب مع الحالة عند كل قراءة ، وبما كسَبت من خبرات ،
· إن طبيعة الإنسان الكاملة بكليتها ، يجب على من يريد سلوك الطريق أن يستخدمها بحكمة ، وهذا الأسلوب يجب الالتزام به ، وتَذَكَّر أن اللّبن لإطعام الأطفال واللّحم لإطعام الرجال ، وأن لا تحمّل قلبك على كفّيكَ في كلّ كبيرةٍ وصغيرة ، وأن تلعب دورك في مسرحيةِ الحياةِ التي فُرضَ عليك الاشتراك فيها ، وأن ضَحكةً مِنَ القلب ُتعادلُ ألف صَلاة ، …
· فقدان الإنسان للسعادة ينجم عن قبوله العبودية والحالة الوضعية التي يخضع لها عقله .
· المعرفة الروحية تقول : إفرح بكونك إنسان ، ولا تكن الآن من الحماقة بحيث تضيع عليك الفرصة التي يوفرها لك ذلك .
النفس والأفعال والنتائج
· الغوص بالنفس يعني ضرورة الدراسة اليومية لطبيعة النفس ، وليس للأشياء الظاهرية والموضوعية .
· عندما يتحقق اللاعنف ، سيتم التخلي عن البغض والكراهية في حضوره ، عندما يتحقق عدم الكذب ، ستصبح نتائج الأفعال خادمة للأفعال ، وعندما يتحقق الامتناع عن السرقة ، تدنو منا كل الجواهر ، عندما يتحقق عدم الاشتهاء ، يحصل النشاط ، وعندما يتحقق عدم الطمع ، يبرز فهم سيرورة الولادات ،
· من النقاء الخارجي تنشأ صيانة الجسد واللا تعلق بالآخرين ، عندما يتحقق نقاء العقل ، يأتي سمو الأفكار بالتتابع ،، اليقظة وثبات التفكير ، السيطرة على الحواس ، والاستعداد لرؤيا الذات العليا .
· من الاكتفاء يأتي نيل أسمى أشكال المتعة ، من التقشف مع تراجع النجاسة ، تأتي قوى الجسد والحواس ، ومن الغوص في النفس يأتي اللقاء بالألوهية المشتهاة ، ومن التيقظ لله تأتي قوة الاستغراق الروحي .
· اللا عنف ، لا يمكن أن يلحق بالإنسان المسالم أي أذى في المستقبل .
· الصدق في الكلام هو كنز الصداقة والثقة الاجتماعية ، وكل من يخرق ذلك يتسبب في ريبة شاملة .
· خير لك أن تخسر جسدك وتنقذ روحك ، من أن تنقذ جسدك وتخسر روحك
· كل شيء مؤلم هو للإنسان الفاضل ، وكل شيء بائس هو للإنسان المستنير
· إذا كان المرء يريد النجاح في دروب الخلاص الروحي ، يجب عليه أن يتوقف عن الشكوى والتذمر والنحيب وحتى التمني ، لأن كل أمنية هي زرع للضعف
· باتخاذ القرارات تنمو الإرادة ، بالسماح للمحبة أن تلعب دورها فيها ، يتطور وعينا وامتدادنا في الحياة ، وباستخدام التفكير تنمو مقدرتنا على التفكير ,
· تثبيت العقل في مكان واحد هو التركيز : واستمرار التمثل فيه هو التأمل : والأمر نفسه ، لكن مع تألق الموضوع وحده ، كما لو كان ثمة انفراغ في طبيعة المرء ، هو الغيبة ( أو الاستغراق )
· طالما أنك ترى التناغمات ، فأنت تفكر ، وإذا كانت رؤيتك منظمة ، فأنت تتأمل ، لكنك إذا كنت ترى الشيء كله وتراه بكليته ، فأنت لا تفكر بل تعرف ، وحتى لو كانت معرفتك تتم بالرؤية .
· لسنا في الواقع نريد أن نمتلك وأن نفعل ، نحن نريد أن نكون فقط ، فنستخدم الامتلاك والفعل من أجل ذلك الهدف .
· لن تستتب للإنسان السعادة ما لم يتحد وعيه بالله ، ويشترك في حرية تلك الحقيقة الواحدة .
· بوسع الإنسان أن يكون سيد نفسه وبلا مخاوف ، وأن يتعلم أن كل الأشياء في خدمته وأنه في خدمة كل الأشياء
· الإنسان مرآة الكون ، مرآة الله وحريته ، الحقيقة ، الذات الكلية ، والكل وهكذا ، من لا يجد الله ههنا ، لن يجده في أي مكان آخر .؟؟؟
_يتبع_

Admin
Admin

عدد المساهمات : 3151
تاريخ التسجيل : 05/03/2012

https://alhoriyatmaroc.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

دليل الحياة الروحية المثلى Empty مفهوم الوعي الروحي

مُساهمة  Admin الخميس ديسمبر 25, 2014 11:40 am

القاعدة تقول : ( أنظُر باحثاً عن الزهرةِ وهي تنمو وتَينَعَ في السكون الذي يَلي العاصِفة ، لا قبلَ ذلك ، فإنها ستنمو ، إنها ستعلو فوق ساقِها ، إنها سَتُرسِل فروعاً وأوراقاً وبراعم أثناءَ هبوبِ العاصفة وخلال احتدامِ المعركة ، ولكن الزهرة في الإنسان لن تتفتَّح إلا بعد أن تذوب كل شخصية الإنسان وتَنصَهِر ، وبعد أن تتولاها تلك اللطيفَةَ الإلهية التي خلقَتها كوسيلةً تجري عليها تجربةً حقيقية واختباراً دقيقاً ، ولا يمكن قبل أن تستسلم الطبيعة بكاملها وتصبح تابعاً خاضعاً للروح ، لا يمكن قبل ذلك أن تتفتّح الزهرة وتَزدهِر )
سيسود سكونٌ كالسّكون الذي يَعقِبُ سيلَ المطر الغزير في المناطق الاستوائية ، حيث تعمل الطبيعة بسرعةٍ يكاد يستطيع الإنسان أن يرى عمليةَ إبداعها ، هدوء يحَلُّ بالروح المضطربة فَتطمَئن ، وفي هَدأة السّكون يحدث الحدَث الَجَلل ، فالزهرة التي تتفتح في السكون الذي يلي العاصفة ، هي زهرة الوعيِ الروحي التي كافحت في سبيل إزهارها ، نبتة الحياة التي أرسلت من الحبّةِ جذورها وساقها ، وأخرجت على الساق أوراقها ، بعد أن اخترقت الساق ظلمة المادة الكثيفة ، صاعدةً إلى الفضاء النقي لِتَعلو وتورق وَتَشقُ حِجاباً بعد حِجاب ، حتى خرجت وَظَهرت في برعمة زُهيرةِ الروح ، وعندها بدأ التفتّح الحقيقي …
كل كلمةٍ مهما كانت قوة تعبيرها ، لا يمكن أن تفي هذه الحالةَ حَقها في التعبير والتصوير ، فكلّ الكلماتٍ التي يشرح بها الإنسان الذي عايَنَ تلكَ الحالة ليَصفها بها ، تَبدو جوفاءَ لأولئكَ الذين لا مقامَ لهم في نفسِ المحيط من الفكر ، … إنها تجربة تحسُّ ولا تدرَك بالعقل ، إن اليد التي تُسطِّر هذه الكلمات لتَرتجف لأنها لا تَعرف أي شيءٍ تواجه ، وأن محاولةَ تحميلِ الكلمات العادية عِبءَ التعبير عن هذه الحياة العليا وتصويرها ، لمحاولةٌ تَتصِفُ بالقصورِ والمحدودية ، …
فالزهرة التي تَزدهرُ وتَينع في السّكون الذي يلي العاصفة ، إنما هو الإشراق الذي يأتي من هذا القسم العلوي من طبيعتنا …
يَصفُ تولستوي هذه المرحلة فيقول : لا تكاد الناحية العقلية في كيان الرجل تسيطر عليه ، حتى تتفتّح أمامه عوالم جديدة ، وتتضاعف أمانيه أضعافاً لا عدد لها ، إنها تبلغ عدد أقطار الدائرة الواحدة التي لا نهاية لها ، ويعمد العقل إلى بذر بذور الأماني ، ثم يعمد إلى العمل على تحقيقها وهو يحسب أن السعادة في تحقيق هذه الأماني …
كثيرون ممن سيقرؤون هذه السطور سيرون فيها صورةً صحيحةً لِهَولِ حالة القلق العقلي هذه ، إنها ألمٌ روحي كمخاض الوضع عند المرأة ، وعندما تعترف القوة العاقلة بعجزها عن حل المعضلة الكبرى التي هي فهم ما يحدث ، هذه هي العاصفة العقلية التي نحيا في هديرها ، تمزقُ أنوائها ثوب العقل وتتركنا تحت رحمةِ الزوبعة …
أرشدني أيها الضوء الرفيق والصديق في حِلكة الظلام
أرشدني وخُذ بيدي للأمام
الليل ظلامه كاحل ، وأنا عن موطني بعيد
أرشدني وخُذ بيدي للأمام
احفظ قَدَمايَّ من الزّلل ، وأنا لا أسألك الرّؤية … رؤية الصورة البعيده ، فَحَسبي خطوة … أخطوها للأمام
أرشدني وَخُذ بيدي في هذا الظلام
وفي الوقت الموعود ، والموعد المحدد ، يلوح في الظلام شعاعٌ دقيق مخترقاً السّحُب ، يضيء الطريق لذلك التائه الهائم ، فيجد على ضوءه موطئاً لقدميه ، فيخطو خطوةً واحدةً مع كلِّ وَمضةِ ، وإذا بالسائرِ يرى أنه دَخَل أرضاً مجهولةً ، وأنه اجتاز حدود مملكةٍ جديدة ، أرضها غريبة لا عهدَ له بمعالمها ، فيرى البُعدَ بينه وبين الأصدقاء فيهتف بهم أن يلحقوا به ، فلا يسمعوه ، ويبدو أنهم مُشفقينَ عليهِ ليطلبوه للعودةَ إليهم ، إنهم مُتهيبون أن يلحقوا به ، ويائسون من نجاته ، لكن جرأةً لم يَعهَدوها به ، وهو يُنكِرها على نَفسه ، تدفعهُ للإمعان في تَقدُّمه نحو هدفٍ لا يتبينوه ولا يُدرِكُ هو حقيقته ، ولكن شوقاً عارماً قد تملّكه ، فهو يَغذّ السير إلى الأمام …
حقيقة الذات الإنسانية
إنّ أول علامات حلول الوعي الروحي ، هو إشراق العِلمِ بحقيقةِ الذات ، والانتباه إلى وجود الروح حقيقةً ، عندها يبدأ الإنسان يحس بأنّ ذاته هي الروح ، عِوضاً عن الاعتقاد المجرد بأن فيه شيئاً عجيباً اسمه روح ، ولا يعرف من أمرهِ شيئاً
لقد أشرق النورُ على الكثير من الناس ، وأكثر ما يُظَن ، ولكن هؤلاء الذين يشرق عليهم النور ، لا يتحدثون غالباً عنه ، لخشيتهم أن يَتهِمَهم الآخرين بالخَبَل والجنون وما إلى ذلك
إن اعتقاد الناس في النفس وخلودها ما هو إلا شيء سطحي ، حتى أنهم لَيخشونَ الموت كما يخشاهُ من يؤمن بأن الموتَ فيه نهاية الإنسان ، وحتى لَيرفضونَ كلّ الدلائل التي تدل على أن للحياة أحوالاً أخرى ، غير هذه الحالة العادية التي نحياها ، ويعتبرون الذين يؤمنون بهذه الأحوال أفاكينَ ومجانين ، لكنّ مَن أشرقت على دائرة تفكيره بعض أشعة الحق من العقل الروحي ، ينتهي عهده بهذا الاعتقاد السطحي ، وتصبح الروح بالنسبة له حقيقةً لها في نفسه أثرٌ يجعله كائناً آخرَ غير الناس الذين يعيشون حوله
يجب أن لا نظن أن الوعي يتفتّح والبرعمة تتحوّل إلى زهرةٍ دفعةً واحدة ، وإن كان حدث هذا في بعض الحالات ، لكن يجب أن نكون موقنين أن الإنسان بعد أن يبدأ هذا التفتُّح ، لا يمكن أن يكون كما كان قبله ، وأنّ إشراق الوعي سيأتيه على مراحل ، تِبعاً لعملية تطورٍ طبيعيةٍ من حال إلى حال ، ويظهرُ التطورُ هذا في تصرفاته وعاداته ، إذ يُصبحُ أكثرَ مرحاً وسعادةً وتفاؤلَ وقوة ، بعيداً عن الخوف والحزنِ وكأنّ احساساته قد ماتت ، وأنّ محاولة إظهار الحزنِ تجد مشقةً عنده مع أن قلبهُ يفيضُ رحمةً وعطفاً ، ويفقدُ الزمنُ قيمته في نظره ، لأنه يَعيش في الأبدية ، وكذلك المكان والمسافات لا تعود كسابق قيمتها ، إنّه أصبحَ يدرك ما لا يدرك سائر الناس من أقوال السلف ، وأقوال بعض المعاصرين ، والتي من معانيها ما يخفى على غالبيةِ الناس ، ومن الكُتّاب من يُشرِق على عقله بصيصٌ خافتٌ من ذلك النور ، فيعتريه حالٌ ينقل العقل فيها عن الروح ، إلهاماً بصيغة كلمات ، يفهمها من يتمتعون بهذا الإشراق ، ولو أن الكاتِبَ نفسه لا يُدركُ كلّ معانيها ، لضآلة حَظِّه في النور ، لأنه حديثُ الروح للروح ، تدركه الروح ولا تُدركه العقول
إنّكَ لَتجدُ في العديد من الكتب والصِّورِ كلماتٍ وأشكالٍ كُتِبَت لكَ ولمن على شاكِلتِك ، أعد القراءة لما سَبق لك أن قرأته من الكتب المقدسة أو القديمة ، وانظر مدى الخلاف بين ما فهمته منها من قبل ، وما تَفهمهُ الآن بعد أن وعيت ، اقرأ من جديد شكسبير وأشعار الشعراء وحِكَم الفلاسفة ، تجد أن أولئك الذين تقرأ لهم إخوةً لك ، وتنفتح لك ما أغلق سابقاً دونك من أبواب الفهم والإدراك لما تقرأه ، ويتضح لك ما كان خافياً ، لأنك الآن لست وحيداً ، إنك عضوٌ في أسرةٍ أفرادُها كثيرون ، وعددهم كل يومٍ بازدياد ، ولكن إحذر أن يملأكَ الغرور بما بلغتَ من تَقدم ، واعلم أنك ما زلت على العتبة الأولى ، وأمامك الطريق طويل وطويل …
يقول مقربون من الشاعر تنيسون : أنه كان ينتقل إلى حال الوَجد ويتمتع بشيء من الإشراق الروحي ، فكان يكرر اسمه متأملاً في حقيقة شخصيته ويقول أنه كان في هذه الحالات يعاين نفسه ككائن روحيٍ خالدٍ مستقلٍ منفصلٍ عن الجسد ،
تمرين للمساعدة على تحقيق الإشراق الروحي :
استلقِ باسترخاءٍ مريح ، وتنفس تنفساً منتظماً ، مُركِّزاً فكرك على نفسكَ الحقيقة ، متمثلاً نفسَكَ على أنك شيءٌ منفصلٌ عن الجسد ، وإن كانت نفسك تشغله وتقيم فيه ، وتستطيع أن تفارقه متى شئت ، فكر في نفسك : لا على أنك الجسد ، بل النفس التي فيه ، فكر في جسمك على أنه كالقشرة ، أو الغلاف المريح النافع ، ولكنه أداةً وليس أكثر ، وآلةً لخدمة ذاتك الحقيقية ، فكر في نفسك كائنأً مستقلاً يستعمل الجسم بحرية تامة ، ولأحسن غاية وأكبر منفعة ، وأن لها عليه مطلق السلطان وحرية التصرف ، وخلال تأملك ، تجاهل الجسم تجاهلاً تاماً ، تجد نفسك لا تشعر به ، حتى أنه قد يصل بك الحال إلى الشعور بأنك خارج عن هذا الجسد ، وأنّكَ تعودُ إليه عند نهاية التمرين .
ويمكن مع ممارسة التمرين السابق ترديد العبارات التالية :
أنا كائن روحي ، أنا كائن موجود ، إنا متأكد من حقيقة وجودي ، لا بالجسد فحسب ، لإن الجسد نسبيٌ مقيدٌ وزائلٌ وفاني ، ولكن بالروح الخالدة المطلقة غير المقيدة ، إنا متأكد من حقيقة شخصيتي ، من ذاتي وروحي ، من الأنا الحقيقية ، إنها العنصر الروحي الذي يتجلى في جسدي وفي عقلي ، ومظهره الأعلى أنني أشعر بنفسي وروحي : هذا الأنا لا يموت ولا يفنى ، قد يغير وسيلة ظهوره أو مركباته ، لكنه دائماً هو نفسه ، إنه جزء من الروح الكلية ، روح الكون ، أنا قطرة في محيط الروح ، أنا ذرة روحية تتمثل في وعيي الحالي وتؤثر فيه لبلوغ الكمال ، أنا نفسي أنا ، وما عدى ذلك متحولٌ ومتغير ، أنا هو أنا ، أنا كائن ، أنا كائن … ( مع التكرار لمرات عديدة )
يجب أن يخُصِّص الطالب كل يوم بضع دقائق للتأمل الصامت في مكان هادئ بقدر الإمكان ، يسترخي فيه جالساً أو مستلقياً على ظهره ، ولا يتحرك ولا يُشغل عقله بشيء على الإطلاق ، إلى أن يستولي عليه هدوء شديد يعرف بدخول الصمت .
إنّ أولى مراتب الوعي وأبسطها ترفع الإنسان فوق مستوى هموم الحياة ومشاغلها وما فيها من الغرائز الدنيا ، فيصبح بالروح الحقة ليرسل الإشعاع الروحي الذي ينبعث منه إلى نفوس المحيطين به ، ليكون أثراً طيباً يبعث فيهم روح الاطمئنان والثقة والاحترام في التعامل معه … فالتأمل والرياضة على الطريقة اليوغية تُنَمي الوعي على الشعور بحقيقة النفس وخلودها والشعور بالكينونة والمعرفة الكونية التي تزدهر في الهدوء الذي يلي العاصفة ، وإذ ذاك تأتي ثمرة الإشراق …
الإشراق الروحي وتجلياته
لقد كتب الروحانيون في كل العصور عن هذا الإشراق ووصفت الأديان بعض مظاهره ، فمنهم من قرر أنه ثمرة عبادة الإله في مظهرٍ من مظاهره ، أو نتيجة اتباع مذهب أو ملة ، وكل طائفة تُصرُ على أنه ثمرةَ العبادة على طريقتها دون الأخريات ، ولكن الواقع أن هذا الإشراق هو فوق الطرق وفوق المذاهب وفوق الديانات ، إنه جزء من ميراث البشرية الإلهي
لقد وصفه أهل المشرق على طريقتهم ووصفه المجددون البروتستانت بأوصاف أخر ، وتحدث الكاثوليك وغيرهم عنه ، وكل فريق يَدّعي أن هذا ثمرة اتباع طَريقتهِ الخاصة ، ومراعاة طقوسه دون غيرها ، لقد شعر كبار الشعراء به ، كما تواترت الأدلة على حقيقته من مختلف المصادر ، فمنهم من أشرق عليهم النور بغتةً ثم انحسر عنهم وقد أصبحوا أُناساً آخرين ، فما أشرق النور على اثنين بنفس الكيفية ونفس الظروف ، ولكن التشابه بين شهادات الجميع موجود دائماً .
وكل ما كتبه الغربيون عن هذا الأمر ، لا نجد إلا وصفاً لحالات الإشراق المفاجئة ، ولكن معلمي الروحانيات وما وراء المادة ، يستطيعون أن يوجدوا بقوة الإرادة هذا الإشراق ، بصفة تكاد تكون مستمرةً يتذوق الإنسان من خلالها بإشراق عقلي وفيضٍ من المعرفة مما لا يمكن وصفه ، إذ يحس بالنّفس أنها أوتيَت عِلمَ كلّ شيء ،
ومن الآثار التي تنطبع في العقل لتلك الفترة من الإشراق ، علم اليقين ، بأن الحياة تتغلغل في كل شيءٍ في الوجود ، وأن الكون مفعمٌ بالحياة ، وليس شيئاً جامداً ميتاً لا روح فيه ، إن الحياة والتدبر يملآن كل شيء ، إن الحياة الأبدية أمام الإنسان يكاد يلمسها ، واللانهاية في قبضة يده ، وأن الحب السامي والكامل لكل ما في الحياة ، يصبح حقيقةً لا يدانيها أي تصور عن الحب من قَبل ، وأن الشعور بالتحرر من الخوف حتى لكأن الخوفَ لا وجود له ، فلا يعود الإنسان يفكر به ، حتى لو استعاد ذكريات ما كان يُرعبُه في الماضي ، فإحساس الثقة والأمن والاطمئنان والتوكل كلها تملأ النفس ، كذلك يختفي الشعور بالخطيئة ، لأن الصّلاح يستولي على النفس ، وهذا هو الصّلاح المطلق …
لنعد للتمحيصِ في مدلولات القاعدة السابقة :
أثناء هبوب العاصفة واحتدام المعركة ، تنمو النبتةَ مرسلةً ساقها وفروعها وأوراقها ، مكونةً براعمها ، ولكن لا تَتَفتح البراعم وتغدو زهراً حتى تَفنى شخصيةَ الإنسان وتذوب وتنصهر ، وحتى تصبح في قَبضةِ تلك القدرة الإلهيةِ التي خَلَقتها ، لتكونَ حقلاً لاختباراتٍ وتجارب جَدٌية لا هَزاَلَ فيها ، وحتى تُسَلّم طبيعتها الكاملة وتصبح طَوعاً لنفسِها العليا …
إن شخصية الإنسان التي قُصدت في العبارة هي الشطر الأدنى للنفس ، وهي الطبائع والغرائز الدنيا ، فإلى أن تُسَتسلّم هذه الغرائز لسلطان القوى العليا التي تتفتح في الإنسان ، لا يمكن أن يحدث الإشراق المنتظر ، فما دام سلطان الغرائز الدنيا له النفوذ ، وله الأمر والنهي في الإنسان ، فإنه يغلق الأبواب في وجه هذا الإشراق ، حتى إذا ما أسلمَ قِيادهُ للروح ، وأصبح مستعداً لتفتح الوعي الروحي ، وازدهار الزهرة التي هي وَعيُ أني أنا كائن … عند ذلك يحل سكونٌ كالذي يعقب هطول المطر الغزير … إنه صمت السلامة .
الذين اجتازوا الصمت والسكون وشعروا بالسلامة ، واحتفظوا بقوته ، يتوقون إلى أن يَرونَ الجميع أيضاً تجتازه مِثلَهم ، لذلك … وفي رحاب بهو المعرفة ، عندما يستطيع الطالب دخولها ، هناك يلتقي بمعلّمه …
الذين يَسألون يُعطَون ، ولكن مع أن الإنسان العادي دائم السؤال ، فإن سؤاله لا يجاب ، لأن صوته لا يُسمع ، وذلك لأنه يسأل بعقلهِ الواعي فقط ، وصوتُ العقلِ لا يُسمع إلا على المستوى الذي يعمل فيه هذا العقل ، فإلى أن يجتاز الإنسان القواعد السابقة ، لا نصيب له بين الذين يَسألونَ فيُعطَون ،
إنّ القراءة بلغة أهل الطريق ، هي أن تقرأ بعينِ الروح ، والسؤال هو أن تحسّ جوع النفس والحنين الروحي إلى السُّمو ، والقدرة على القراءة ، يُقصد بها القدرةَ ولو إلى حدٍ بسيط على إشباعِ ذلكَ الجوع للمعرفة ، وعندما يصبحُ الطالبُ مُستعداً لتَلقي المعرفة ، عند ذلك يُقبل ويتعرف ويَعرِف ، هكذا يكون الأمر ، لأنه أسرَجَ مِصباحَهُ ولا يمكن إخفائه بعد أن أُسرِج ، ولكن الاستعداد لقبول المعرفة ، مستحيلٌ قبلَ كسبِ المعركة الكبرى الأولى .
مع ممارسة التأمل والتّنفُس المنتظم ، الذي له أعظم الأثرِ لتهدئة الجسد والعقل ، مما يساعد على تمهيد الأرض لنمو النبتة التي تُنتجُ الزهرة ، أما النبتة نفسها فإنها لا تنمو إلا إذا آن أوانها ، ولا يمكن إنباتها قبل ذلك الأوان ، فلنمهد لها خير التمهيد ، ولنُعِدُ لها أحسن الظروف لنموها ولنرحب بها حين تظهر ، وإلى أن يحين ذلك الوقت ، ليكن همّنا أن نعمل بما يُرضي أحسن ما فينا من مُثُلٍ عُليا ، وإنّ في الإتجاه لهذه الشؤون والإقبال عليها ، لعلامةً تدل على وعيٍ روحيٍ يبشرُ بالخير ، وإلا لما اجتذبتكَ هذه الشؤون للاهتمام بها …
ثِق أن لهذه الكلمات استجابةً في نفسك ، واعلم أن ما لك سوف يأتيك ، وثق بأنك على الطريق ، وما أردده في أذنك هو أن تستمر في البحث عن النور ، وكن أهلاً لإشراقه ، فإنّهُ آتٍ لا ريب في ذلك ، وكما قال الشاعر كاربنتر :
لا تتركوا الشُّعلة تخَبو
لقد أحاطتها الرعاية والعناية عَصراً بعد عَصر
أحاطتها في الكهوف المظلمة
أحاطتها في المعابِد المقدسة
رعاها سَدَنةَ الحُبِ الصافي
فلا تَتركوا الشُعلة تخَبو…
صوت الصمت :
مِن أعماق الصّمت الذي هو السّلام ، يرتفعُ صوتٌ رَنان ، وهذا الصوت يقول : إنه ليس من الجيد أن تحَصُدَ فَحَسب ، فالآن وقد حَصَدت يجِب عليك أن تَزرع ، … وإذ تَعلَم أن هذا الصوت هو السُكونُ نفسه ، فإنك لا بد وأن تُطيعه …
الصوت الرنان الصادر من أعماق الصّمت ، الذي هو السّلام ، هو صوتُ الروح ، يشقُ طريقه إلى دائرة الوعي ، ولكن الصوت لا يسمع واضحاً كما كان يسمع في وقت الإشراق ، لأن الأذن تختلط عليها معه ذبذبات من مستويات منخفضة ، فلا تستطيع أن تميّز الذبذبات الرفيعة الصادرة عن الآفاق العليا من العقل ، لكن الصوتَ مستمرُ لا ينقطع ، أنصُت له بانتباه ، فلن يمضي إلا وقت قصير، حتى يمكن التمييز بين صوت الروح النقي الصافي ، وبين أمواج الفكر الدنيا التي تتلاطم حوله ، هذا الصوت سيقول : ليس هذا حَسَناً ، إنّكُم حَصَدتم ، والآن هيا فازرعوا .
إن النفس تظل تنتظر في وحدةٍ وعُزلة ، حتى يأتيها اليقين ، حتى إذا جاءها واحتلَّ مكانه من القلب ، مَلأها بنوازع إلهيٍة لتدفعها إلى الخروج من عُزلتِها إلى العالم ، فتحيا حياةً روحية بين الناس ومعهم ، بعد الاعتزالِ والبُعدِ عَنهم …
الذي جاءه الإشراق الروحي حتى في أخَفِ درجاته ، يُصبحُ شخصاً آخر ينبثقُ عنه فكرٌ من نوعٍ آخر ، غير ما ينبثقُ من أفكار من هم حَولِه ، إن له مُثُلاً عُليا غيرَ مُثُلهم ، ولموجاتِ فكرهِ أثرٌ على مجمل موجاتِ أفكارِ العالم والكون ، تَعملُ فيها عَملَ الخميرةِ في العَجين ،
الحياة الروحية لها ثلاثُ مراحلَ أو مستويات :
المرحلة الأولى : هي مرحلة سيطرةَ العقل الغريزي ، فهذه لا سيطرة إلا للعقل الغريزي فيها ، أما العقل الروحي فوجوده كالعدم ، وفي هذه المرحلة نجد الاهتمام برغبات الحواس الخمس واهتمامات الناس بالحرية والديمقراطية ولا يُدركونَ كُنههما ، وهم متحررين متساهلين يسعدون بالحياة أكثر من أهل المستوى الثاني ، فهم لا يدركون شيئاً عن الخطيئة والإثم ، ويتبعون أهوائهم وفيهم اعتقاد فطري بوجود قوة عليا ، وإن لم يهتموا بها كثيراً ولا يقيمون كبير وزنٍ لفُرصِ الخلاص ، فهم ببساطةِ تفكيرهم يرونَ أن القوة العليا ستسهر عليهم هنا وهناك .
المرحلة الثانية : تبدأ عندما يمسك العقل بزمام الأمور ، فعندما يصحو الإنسان على شعور بالخير والشر ، ويبدأ يَتميزُ شيئاً خفياً عجيباً آتياً من آفاق عالية من العقل ، يؤنّبهُ على فِعلِ أشياءَ معينةً تتصلُ بشخصيته ، ويُشعرهُ بالرّاحةِ إذا لم يقارِفها ، لكن القوة العاقلة لا تقفُ عند هذا الحد ، إنها تضع قائمةً بأعمال الخير وأخرى للشر ، حيثُ يقولون أن من الأفعال ما هو شرٌ تكرهه الآلهة وتُعاقِب عليه ، وأن أجناساً من البَشَرِ محُببونَ ومختارون أحباباً لله ، وما عداهم لا يحبهم الله ، ويَكرهُ حتى وجوهِهِم ، وأن الذين كُتِبَ لهم الخلاصَ صَفوةً قليلة ، وما عداهم أعِدَّت لهم نارٌ لا تُطفأ ودودٌ لا يموت …؟
والناسُ على هذا المستوى ، يتميزونَ بروحِ الكراهية والبغضاء ، فيسودُ الخوفُ وتصبح المحبة البشرية اسماً بدونِ مُسَمى ، حيثُ يَذوي الحبَ الإنساني المشترك بين الناسِ جميعاً ، وإن بَدَت من أحدهم بادرةَ اعتراضٍ على التّمادي بالشّر والأحقاد للآخر ، حَرموهُ حُبّهم وصَبوا جامَ غَضَبهم لمجردِ الجهرَ بما لا يتّفقُ مع ما يعتقِدون ، لأن كل من لا يتّفق معهم في الاعتقاد ، كافرٌ زنديقٌ ومبتدعٌ مُنشَق .
في هذه المرحلة تختفي محبةَ أفرادِ المرحلةِ الأولى لبعضهم ، ويحلُّ محلّها روحُ الأنانيةِ والفَردية ، إلى أن يبدأ العقلَ في السيطرةِ على الناسِ من أهلِ الطبقاتِ العليا من هذا المستوى ، تحت نورِ العقل ، ليتخلصوا من الخرافات ، ويَنفضونَ عن أنفُسِهم حُجُبَ الجَهل ، ويحلُّ محلَّ الاعتقاد الأعمى ، إنكارٌ وجُحودٌ لكلِّ هذه المعتقداتِ ، ويسودُ الشّكُ في كلّ شيءٍ لا يبنى على صِحَتهِ دليلٌ عقلي ، فتنهارُ المعتقدات وتنهدمُ صروح القديم ، ولكنّ مكانها يظل خالياً ، لا يقوم مقام القديم فيه جديد ، فيجهد العقل الروحي في أن يبعث أشعته لتضيء الدرب ، ويحاول أن يلقي في هذا الفراغ بذور الوعي الروحي ، لكي تَنقُل الإنسان بالتّدرج للمرحلة الثالثة ، وهي مرحلة اليقين الحق …
المرحلةُ الثالثة :يرى الناسُ الخيرَ في كل شيءٍ وكلِّ شخصٍ وكلِّ مكان ، وإن بَدت بعض الأشياء أكثر تقدماً من بعضِها الآخر ، إلا أن كلُ شيء جزءاً من الكلّ الأعظم ، فتترفع النفس عن الأمور البالية ، ويصبح الناس كلهم على طريقٍ واحد ، رغم أن منهم المتقدم عن الآخر ، وأن الشّر والخير أمرٌ نسبي وكلُ فعلٍ يَليقُ بمن فَعَله ، ويرون أفعال الناس مظاهرٌ للخير والشر ، ولكنهم يفضلون أن يروا في الناس خيرَ ما يفعلونه ، بدل أن يروا شرَ ما يفعلون ، ليروا حَسَنات المسيء بَدل أن يَروا سَيئات المحُسِن ،
الناس في هذه المرحلة يرون أن كلّ الديانات حق ، حتى ليجدوا صعوبةً في الاقتصار على اتبّاعِ دينٍ واحدٍ بذاته ، إنهم يَرونَ أن الله هو الذي يُعبَد رغم تَعَدُّد الأسماء للآلهة ، من الصَنَم البدائي إلى الصورة العليا لفكرةِ الألوهية المجردة في أسمى العقائد ، وأن سبب الخلاف بين الأديان والعقائد ما هو إلا درجةَ نمو عقل العابِدِ نفسه ، لا حقيقة المعبود ، فإن الإنسان كلما ارتفع على سُلّم التطور ، ارتقى تَصَورهُ لله ، فالصورة التي يراها الإنسان المتقدم لله ، لا يُدركها عقل الإنسان البدائي ، وكلٌ منهما يعمل بخير ما عَلِم ، ويسير على المرحلة التي بلغها من الطريق ، وقد أحسن من قال : إن إلهَ الإنسان هو صورةَ ذلك الإنسان في أحسنِ حالةٍ يتمناها لنفسِه ، والشيطان هو ذلك الإنسان في أحلكِ ساعاتِ جنونهِ وغَضبه ،
الإرتقاء الروحي
ويختفي الشيطان عندما يرتقي تَصوّر الإنسان لله ارتقاءً كافياً ، ولكن أعظم ما يميز به الفكر الإنساني في المرحلة الثالثة ، هو إدراكه لوحدةِ الحياةِ والوجود …، فهو يرى ويحسُ أن العالم كلّه حَيٌ ، وقوة العقل تملأه وإن اختلفت درجات ظهورها ، وأنه جزءٌ من الحياة العظمى ، ويرى أن كل ما ينبض في الحياة شبيهاً بشيءٍ فيه ، وأنه يعلم أن صِفات الحيوانات كلها فيه ، وإن تسلطت عليها وَكَبحَتها نَفسه العليا ، فإنها كامنةً فيه ، لذلك يشعر بعطف نحوها ونحو إخوته في الإنسانية الذين ما زالت تظهر فيهم صفات تلك الحيوانات ، ويَتخلّقون بأخلاقِها ، إنه يُشفقُ عليهم مهما كانت نزعاتهم وميولهم ضارةً به … إنهم إخوَته …
وبجانب هذه الصفات الحيوانية التي يكبحها في نفسه ، يشعر بوجود الصفات العليا ، توشِك أن تظهر ويزداد ظهورها مع تقدمه وتطوره ، حتى يصبح مُتخلِّقاً بها ، حيث يشعر بالحياة تَدبُ فيه وبما حوله ، فتزول منه روح الوحدة والوحشة ، ليحل الاطمئنان الذي يملأ نفسه بعد أن عَرِفَت أنها والكون وحدة واحده ، وأن المعرفة واليقين أخذ يحلّ محل الإيمان الأعمى ، وبذلك يتزايد عدد أهل هذه المرحلة باستمرار ، وعندما يصير عددهم كافياً ، سيحدث في العالم انقلابٌ سِلمي ، وعند ذلك سوف لا نرى من يتنعم وله أخ يَتضوّر جوعاً ، أو أن يظلم أحدٌ بني جنسه ، أو يطيق السكوت عن الشر ، الذي لا يأبهَ الناس له الآن ولا يشعرون بوطأته ، فالإنسان مع الإحساس الجديد في الشعور بوحدةِ الكل ووحده الحياة ، تزول من نفسهِ الأنانية وتتحطم الحواجز بينه وبين الناس ، وهو يعلم أن النُّفوس خُلِقَت من نفسٍ واحدة .
وسَيقولُ لنا الصوتُ الصاعدُ منَ الصّمت :
· إذهبوا واعملوا في كرمي ، لا بقوة السواعد ولا على إرغام الأشياء لأن تنمو وتزدهر ، ولكن ليكن عملكم بالقُدوة الحسنةِ وبالحياة …أسمى ما تكون الحياة ، … إن الناس محتاجون لكم لينتشر ضوءكم في ظلامهم ، إنكم فيهم كالخميرة في العجين …
· أنت الذي يستطيع أن يقف على قدميه ، لكَ أذنان للسمع وعينان مبصرتان ولسانٍ قادرٍ على الكلام ، أنت الذي قهرتَ الرغبةَ والشهوة ، ووصلت إلى مَعرفة النفس ، ورأيت روحك تُزهر ، وسمعت الصوت الصادر من الصمت ، أدخل الآن بهو المعرفة ، واقرأ ما سُطِّرَ لَك
· لكي تستطيع الوقوف ، لا بد من الثقة ، ولكي تستطيع أن تَسمَع ، لا بد أن تكون قد فتحت أبوابَ النّفسِ على مصراعيها ، ولكي تستطيع الكلام ، لا بد أن تكون قادراً على مساعدةِ الغير ، ولتكون قد قهرتَ الرّغبة ، لا بد أن تكونَ قد تعلّمتَ تَرويضَ النّفس ، ولكي تكون قد عرفت النّفس ، لا بد أن تكون قد رجعت على آثارك لتدخل حَرَم النفس وتقتَحِم حِصنِها ، حيث تستعرض الإنسان الحقيقي وتتفحّصهُ من غير مُواربة ولا تحيُّز ، ولكي تكون قد رأيت الروح تزدهر ، لا بد أن تكون قد رأيت ضوء الروح في نفسك يحدث انقلاباً هو الذي يخلق منك خلقاً جديداً ، يجعلك أكثرَ من بَشَر ، ولكي تعرف يجب أن تولد فيك القدرة على التّحديق في النور المبُهر الخاطف ، بدون أن تَرمش عينك ، وبدون أن تتراجع ، كأنما نحن أمام طَيفٍ أو شَبحٍ مخيف …
وقد يحدث أحياناً وفي الوقت الذي يتهيأ للمرء أنه يوشكُ أن يحققَ الفَوز في الوصول والظفر ، فإذا به يتلاشى …
لنستمع إلى صوت الصمت لنفهم معناه : إنه الهُدى والإرشاد الصحيح الذي يأتينا من داخلنا ، وليس من أية مصادرَ أخرى ، ولكي ندخل في بهوِ المعرفة ، ونصل للحالة التي يصبح فيها التَعلُّمَ ممكناً ، عندئذٍ تكون هناك كلماتُ كثيرةُ مكتوبةٌ ، مكتوبةٌ بحروفٍ من نار لتَسهُلَ عليكَ قراءتها ، وعندما يصبح التلميذُ مستعداً وجاهزاً ، في ذلك الوقت فقط يكون المعلِّم مستعداً وجاهزاً أيضاً
عند ذلك يمكِّنه رؤيةِ الحياةِ على حقيقتها ، وصِلتِها بكلّ جزءٍ فيه ، ويتعرّف على الحق عندما يُعرَضُ الحقَّ لناظره ، ويمكنه سماع الحقِّ يتدفق صوته علية من آلاف السُّبل والطرق ، فالحياة كلها تعلن أنها موصولةً به ، وتريه الروح رؤيةً واضحة ، وتجعله يستطيع التّحدُث وينفذ حديثه إلى قلوبِ كل الناس ، ويتملّكهُ شعورٌ بالسّلام والطمأنينة يفوقُ الوَصف ، إنه يزيدُ ثروةَ العالم الروحية .
إنّ بعض من يشاهدون تلكَ اللمحات من داخل الروح ، يتراجعون مذعورين ، يخيّلُ لهم أن ما اطّلَعوا عليه وَهم ، ذلك أنّ ما تَكشّفَ لهذا لإنسان يتعارضُ مع عقيدته ، حتى ليظنَ الرائي أنّه أصبحَ فاسداً وتجرّد عن ما كان فيهِ من خير ، فيتراجع عن هذا الوعي الجديد ، فراراً من خوفه أنه أصبح لا يحكم على الشّرِ كما كانَ من قبل ، وينسى أنّهُ أصبح لا يَقسوا في حُكمهِ على الشّرِ كما كان ، فإنّه أصبح يحبُّ الخيرَ أكثرَ من ذي قبل ، وهو الخيرُ الحقيقي الذي عرفه من الكَشف ، لا ما اعتاد على تسميتهِ الناس …
القواعد الأربعة للذين قطعوا شوطاً بعيداً من الطريق :
· إنتَحِي جانباً في المعركةِ القادمة ، ولا تَكُنِ أنت المقاتل ، وإن قُمتَ بِدوركَ في المعركة
· فَتّش عن المقاتل في نَفسِك ، ودَعهُ يَتَولى القِتال
· تَقبَل أوامرهُ في المعركةِ ونفِّذها
· أطِعهُ لا كَما لو كانَ قائداً ، ولكن كأنه نَفسك ، وكأنّ أوامرهُ هيَ رغباتِكَ الباطنية ، لأنه هو نَفسُك ، ولكنه أحكمُ منكَ بِكثير …فإذا ما حَلّ فيكَ يوماً وأصبحَ فارسك ، فلن يَهجُركَ أبداً ، تَرَقّبهُ جيداً وابحث عنه ، وإلاّ تخَطّيتهُ في حمى المعركة ولهيبِها ، وهو لا يَعترفُ بِكَ ولا يَعرفُكَ ما لم تَعرِفه ، ويعني هذا أن لا نَنسى في حمى المعركةِ أن الروحَ تعملُ مَعَنا وفينا ، لأنّ الروح لا تعمل فينا ما لم نَتَطلّع إلى عَمَلِها، إنّ إرشادَ الروح مُلكٌ لمن يَقرعونَ بابها ويطلبونَ عَونها ، إقرعوا يُفتَح لكم ، أطلبوا يُستجابُ لكم
· إذا ارتَفَعت الصيحة إلى أذُنُ الروح ، عند ذلك تحاربُ فيكَ وتملأ فراغ نفسك ، فعندما يضطربُ قلبكَ وتخونكَ شجاعتك ، اصرَخ مُستنجِداً بالروح ، يرتفع صراخك إلى أذنها المرهَفة فَتَسمعك ، فتُحاربَ فيك وتملأ فراغَ نفسك ، وتملأ حنايا نفسك الحزينة عزاءً وقوةً وشَجاعة ، عند ذلك يمكَنَكَ أن تخوضَ المعركةَ بِلا تعب ، فَقِف جانباً تاركاً إياها تُقاتل عنك …
القواعد الأربعة تقول :
· أنصُت إلى أغنيةِ الحياة
· إحفظ النغمةَ التي تسمَعها
· تَعلّم منها درس التّناسق والتناغم
· إنك تستطيع الآن أن تقفَ منتصباً ثابتاً كالصخرةِ في وسط المعركة ، مطيعاً المقاتل الذي هو في نفسك ومِلكُك ، لا يَعنيكَ من المعركةِ إلا تنفيذُ أوامره ، غير مهتمٍ بعد ذلك بنتيجة المعركة ، لأن شيئاً واحداً له كل الأهمية ، … ذلك أن المقاتل فيك سَينتصِر ، وقد علمت أنه غير قابلٍ للهزيمة ، قِف هادئاً واستعمل قوة السّماع التي اكتسبتها بالألم والتغلّبِ على الألم ، فإن وصلكَ قليلٌ جداً من الصوت للأغنيةِ العُظمى ، فإن سمعت ذلك الصوت فاحفظهُ بأمانةٍ حتى لا يضيعَ منهُ شيء ، واجتهد أن تعرف معنى ما يدورُ حولِك مستعيناً بما سمَعت ، فكما أن للفردِ صوتاً ، كذلك لما يحيط به صوت ، فللحياة حديثٌ لا تَكُفّ عنه ولا تسكت ، وليس صوتها كما يبدو لأمثالنا الصُم ، على أنه صيحة ، إنما هو أغنية ، فتعلّم منها أنك جزء من مقاطِعِها ، تعلّم منها أن تخضع لقانونِ التناسقِ بين ألحانها ، واسترح فترةً ثم أعد الكرَّة ... إن في قلبِ كل إنسانٍ نبعاً خفياً له صوتُ خَرير المياه
· تعلّم أنه متى عرف الإنسان طبيعة الألم ، عند ذلك يصبح الألم بلا ألم ويتغلب الإنسان عليه
· عندما تصبح غير محتاج إلى مُعلّمٍ من البشر ، فإن نور الروح سيسطع على كل ما تُبصر ، والأذن تسمع من خلال الروح لدروس آتيةً من كل ما في الوجود ، من الحجر والنبات والجبال والعواصف ، من الشمس والنجوم ، من كل جليلٍ وضئيل ، تسمع حديث الحياة النابضة التي أنت جزء منها ، وتسمع منها كلها نغماتِ الأغنية العظمى ، حتى من نفسك يَتَردّدُ الصّوت قائلاً : أحد أحد ، الكل واحداً أحد ، ولكنها ليست صيحة ، إنها أنشودة نصر عظيم تُرَدّدهُ الحياة بعد خالق الحياة …
· ثم تأتي مجموعة أخرى من القواعد الأربعة :
· أنظر جيداً إلى كل الحياة المحيطة بك
· تَعلّم توجيه النظر الثاقب ، الذي يخترق قلوبَ الناس
· رَكّز كلّ اهتمامك في النّظر إلى قَلبك
· لأنه من قلبك أنت ، يخرج الشعاع الذي يضيء الحياة ، ويجعلها واضحةً جليةً لعينيك
افحَص قلوب البشر حتى تَلم بهذه الدنيا التي تعيش فيها ، وراقِب بدقةٍ حركةَ الحياة التي تتغيّر كل لحظة ، لأنها مِن قلوبِ البشر تَتكوّن ، فكلّما تعلمتَ أن تفهمَ تَكوين القُلوب وتقلُّباتها ومَراميها ، تَدرّجتَ في قراءةِ كلمةِ الحياةِ الكبرى …
المعرفة لا تتحيز ، فليس من الناس من هو عدوٌ لكَ أو صَديق ، إنهم جميعاً مُعلِّمونَ لك ، عدوّكَ لغزٌ يجبُ حلّه وفهمه مهما كلّفك ذلكَ الحل مِن وقت ، لأن الإنسان يجب أن يَفهم ، وصديقكَ جزءٌ منك ، إنه امتدادٌ لِنفسِك ، ولكنه أحجيةً تَصعبُ قِراءتها ، ولكن شيئاً واحداً أصعبَ من هذا وذاك ، وأعسرَ فَهماً ، ذلكَ هو قَلبُك أنت …
في طبيعتك تجد كلّ ما في طبائعِ غَيرك مِن الخيرِ والشّر ، كلّها في قَلبك ، وقد يكون الطالح قد فات أوانَهُ وتخلّصت منه ، وقد يكون الصالح أمامك تَعمَل به ، ولكن الكُلّ هناك ، فإن شِئت أن تَفهم البشر , وأن تعرف ما بأنفُسِهم من دوافعَ وأفكارَ ونوازع ، أنظر إلى داخلِ قلبك تفهم الناس فَهماً أدق ، ولكن لا تنظر لأفكارِ قلبكَ على أنها أفكارك ، بل أنظر إليها وكأنك غريبٌ مُشاهِدٌ لمعروضاتٍ في متحف ، تذكر وأنت تستعرض هذه الأفكار التي في قلبك أنه ليس منها فِكرٌ واحد يستحِقً أن يَستخدِمكَ لتحقيقه ، وأن يجعلك عبداً له ، وإن كان الكثير منها يصلحُ لأن تستخدِمه أنت ، أو أن تعمل على تحقيقهِ للخير ، فأنت السّيدُ لا المستَعَبد ، ذلك إذا كنتَ نفساً تَفتّحت وَوَصَلت …
· والقاعدة التالية تقول : الكلام وليدُ المعرفة ، فتوصّل إلى المعرفةِ أولاً ، وعندها تستطيعُ الحديث …فإذا كنت قد أدركت فهمَ القواعد السابقة ودخلتَ بهوَ المعرفة ، ونَمَت قِواكَ وتَحَطّمت قيودُ حواسِّك ، فإنك تجد في قرارِة نفسك ينبوعاً يَفيضُ منه الحديث ، لا تنزعج إذا توقعت أن يُطلبَ إليك أن تُلقي إلى الغَيرِ كلماتَ الإرشادِ والتّشجيع ، وأنت تَظنُّ أنّك بحاجةٍ للتحضير لها ، إن ذلك الغير سَيستَدرُّ منكَ بقوةِ الروح ما هم بحاجةٍ إليه ، فائتمِن ولا تَخَف …
الكلمات محدودةٌ والحق غير محدود ، وإنه لمن العسير أن نحاول تحميلُ المحدودِ من الكلمات ، عِبءَ غير المحدودِ مِن المعاني
نعتقد أن هذه الكلمات ما كانت تَبرز للوجود ، لو لم يكن قد قُدِّرَ لها أن يكون لها أثر ، وأن تَكونَ جزءاً من العمَل العظيم ، لذلك نُرسلها لتمضي في السّبيل الذي قُدرَ لها أن تمضي فيه ، وليس لنا علمٌ بالمدى الذي ستبلغه ، وقد يُدرك بعض من يقرأها السرُّ في إرسالها أكثرَ من إدراكنا نحن ، لقد كُتِبَت هذه الكلماتُ بإملاءِ الروح ، فالتَتَولىّ الروح وضعِها حيثُ تَدعو الحاجة لها ،… فحيث أسير سَيعرفَني أطفالي ، كذلك أبناءُ النور ، سيعرفون أن هذه الكلمات لهم …
إن طريقة التعامُلِ في تَلقين هذه الكلمات ، يجب أن تكون على طريقة أن يقوم المعلِّم بتلقين تلميذه رسالته حسب تَدَرُّج مستوى التلميذ ، ولا يُلقّن قاعدةً إلا بعد أن يكون قد عمل واستوعب ما سَبَقها في الطريق تماماً ، فأصبح بذلك أهلاً لأن يَلحَقَ بمن في المستويات التالية ، والذين وضعَت لهم القاعدة التي وقفَ عِندها ، تَذَكر أنه إذا رَسَخَت قَدمِك في أول خطوة ، ستجد ضوءاً يُلقى أمامكَ على الدّرجةِ التالية ، ولا تيأس من شيءٍ أبداً ، إن مجرّد اتجاهِك نحوَ هذهِ الكلمات ، واهتمامِكَ بها ، دليلٌ على أن الرسالةَ التي تحمِلها موجهةً لك ، وأنّك لا بد مُدركٌ جوهرِها ، وسائرٌ على هَديِها ، وأنّ القواعدَ لا بُدّ سَتَتضح لكَ فتتقدم خُطوةً بعد خُطوة .
إقرأ كل هذا مرةً بعد مرة ، تجدُ حِجاباً ينكشف عليك بعدَ حِجاب ، واعلم دائماً أن حُجُباً كثيرةً سَتبقى بينكَ وبين الخالق الأعظم ، عليك أن تَجِدَّ في السّعيِ لرَفعِها حِجاباً بعدهُ حِجاب …
_يتبع_

Admin
Admin

عدد المساهمات : 3151
تاريخ التسجيل : 05/03/2012

https://alhoriyatmaroc.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

دليل الحياة الروحية المثلى Empty أهداف التطور الروحي

مُساهمة  Admin الخميس ديسمبر 25, 2014 11:53 am

طرق التحكم بالقوى العقلية
المحاولات الإنسانية الصادقة للتطور الروحي ليس لها إلا هدفٌ واحد ، إلا أن طُرُقَ الوصول لهذا الهدف قد تَتَعَدد ، حيثُ أنّ الفِكرَ والنّفس في تَطورهِما يُقرِّرانِ أنسبَ الطُرقِ للشّخصِ وأفضَلِها لمصلَحَته ، وهو الطريق الذي يَتّفقُ مع مزاجهِ وذوقهِ ومُيولِه ، ولذلك يُقسِّمون الطريق إلى ثلاثِ فروع تَصُبُّ كلها في الطريق الأساسي ، وتسَمى هذه الفروع : طريق التّحَكُّم في القوى العقلية بقوةِ الإرادة ، طريق العَمَل والنّشاط ، طريقُ الحِكمة وكلُ فرع منها يوصلُ إلى الطّريق الأعظم ، ويَصلُح لسلوك الذين يُفضلونه :
وبجانب هذه الفروع الثلاثة ، هناك فرع طريقُ الإخلاصِ والعِبادة ، أو طريق المشاعر الدينية أو العِشق الإلهي ، ويَرى البعضُ أنّ هذا الطريق مستقلٌ علن الثلاثة السابقة ومنفصل عنها ، ولكننا نُفضِّل أن نفكر فيه وندرسه على أنه مزيجٌ من هذه الطُرُق الثلاثة ، لأننا نعتبر أن الطالب لأيٍ من هذه الفروع ، لهو محبٌ ومتعلقٌ بالله وناشداً مرضاته
إن هدف محاولات الإنسان ، وغاية سعيه في حياته ، هو أن يجعل النفس تتفتح وتتحرر ، حتى تصل إلى الاتحاد بالروح ، والروح هي الجزء الإلهي في الإنسان ، الذي تعملُ النَّفسُ جاهدةً للاتصال والاتحاد به كمصدرٍ للحياة ، وهي تَعي ذلك الاتصال وتحسُّه بوضوحٍ وجَلاء ، وهي بذلك تعمل لكي تحقق السّعادة الحقيقية التي لا توجد في الأشياء النسبيةِ الزائِلة ، لأن السعادة الحقيقية التي نبحث عنها هي في داخِلنا وليست خارجةً عنا ، فإذا أدركنا ذلك ، نكون قد بدئنا بالبحث المستنَير ،
إن الأغلبية الساحقة من الناس منهمكون بالجَريِ وراء السعادة ، على وجهٍ لا بصيرة فيه ولا وعي ، يذهبون هنا وهناك ويجربون شيئاً بعد شيء ، وهم يأملون بأن يظفرِوا بذلك الشيء الذي لا تصل إليه الأيدي ، ومع أنهم يلقون خَيبة الأملٍ في ذلك ، فأنهم يواصلون السّعي والبحث مدفوعين بقوة حنين النّفس ، التي بدأت تصحو وتبكي طالبةً ذلك الشيء المجهول والضروري لها .
الفلسفة والتعاليم السليمة يجب أن تكون مناسبةً لجميع الناس ، وعلى مختلف أجناسهم وأوطانهم وحرفهم وبيئاتهم ، فإن لم تَكُن صالحةً لكل نفسٍ واحتياجاتها ، فإنها تعاليم غير صالحة ، ويجب طرحها بعيداً والتّخلي عنها ،
طريق التّحَكُّم في القوى العقلية بقوةِ الإرادة : هي طريق حق وواجب على من وجِدوا فيها وخُلقوا لها ، والتّخلي عن الواجبات والفرار منها هو خرقٌ للقانونِ الأعظم ودستور الحياة ، وأن نتيجةَ العمل تتبع الفِكر الذي ينُتجُ العَمل .
ليس في قانون الحياة نصوصٌ على العِقاب ، ولكن كانت لنا رغباتٍ نحو أشياءَ معينّة ، فحققنا تلك الرغبات بقدر ما سمَحت به ظروفنا ، وترتّبَ على ذلك نتائج لا بدَّ منها ولا نستطيع تبديلها
قانون السبب والنتيجة
القانون الروحي المعروف بالسَّببِ والمسَبب ، أو السبب والنتيجه ، ويُعرفُ في الشرق باسم قانون الكارما ، يعني أن ما يحدث للإنسان في حياته هو تنفيذ لهذا القانون العام ، أي أن كُلُ إنسانٍ تَسبَّب فيما يحَل به ، وليس ثّمة ما يدعونا إلى الفزَع من معرفة هذه الحقيقة ، بل على العكس ، فإذا عرفنا هذه الحقيقة كانت آلامنا أقل وقعاً ونكون أقدر على تجنُّب ما يتَرتَّب علينا من نتائج غير حسنة ، وبذلك تكون حياتنا سارةً أو غير سارة تبعاً لما وضعنا لها من أسباب ، بما قدمناه من أعمال ، كذلك يتوقف تحمّلنا لما كُتبَ لنا من أحداثٍ على الطريقة التي نتحملها ونستقبلها بها ، فالفيلسوف يستطيع أن يرى الخير في شر ما يحلُّ به ، كما أن الجاهل قد يَشقى بخير ما يأتي به هذا القانون ، على أنه سوء ( نظرية الكارما قد تفسر القضاء والقدر تفسيراً فيه عدالة ، فبدل أن يكون ما قُدِّرَ للإنسان قد قُدر لأمرٍ لا عِلمَ لنا به ، فإنه تبعاً لقانون الكارما ، يكون قد كُتبَ بخطِّنا وإمضائِنا بما سبق أن قَدَّمناه من أعمال ، والسائد أن نقول : هذا من عمله …إذا حَلّت بإنسانٍ مصيبة ، وهذا التعبير هو أقرب ترجمة للكارما لو لا أننا لا نقصد ما يقصده الهنود ، فنحن لا نعرف الوجود إلا في هذه الحياة ، بينما كارما تنسحب على أعمال الإنسان في حياةٍ سابقة )
إعمل للعَمل لا للأجر ، إعمل راضياً منشرح الصّدر باذلاً كل جهد ، ولكن لا تكن طامعاً في شيء ، واعلم أن كلُ ما تعمل له من الدنيويات ، لا قيمةَ له ، إعمل راضياً وقد بذلت غايةَ جهدك إن نجحتَ أو لم تنجح …
قِلةٌ من الناس لديهم الاستعداد لقبول هذه التعاليم ، لأنها تفهم وتستطيع أن تقف جانباً بأرواحها ، ترى نفسها تشتركُ في المعركة دون أن تتأثر بأطماعها وأحقادها ومؤامراتها ،
إن أول ما يجب أن يتعلمه طالب العلم ، أنه جزء من الحياةِ الكبرى وَوِحدةً من وحداتها ، له مكانه فيها وله عمله الذي عليه أن يعمله ، ولكن مهما بَلَغت أهمية وضعه وعمله ، فما هو إلا جزء من الكُل ، خاضعٌ لما يمليه عليه نظام ذلك الكُل وما تفرضه عليه قوانينه ، ومهما بلغ من الضِعةِ وتفاهةِ الشّأن ، فإنه أيضاً جزءاً من نفسِ الكُل ، له عمله وعليه عبء لا مفرَّ من حمله ، فليس في الحياة من هو تافه ، وليس لأهم الأشياء ما يجعله فوق قانون الحياة ، فعلينا القيام بدورنا على أحسنِ وجهٍ ، لأن مُدبِّر الكون أعدّنا لغرضٍ وغاية ، ويجب علينا أن نعمل لتحقيق هذه الغاية ، لا على أننا آلات ليس لها عقلٌ ولا إرادة ، ولكن لأن غاية الحياة ومصلحتنا تتفقان ، فإذا آمنا بذلك ، وجدنا أن عملنا لا يُسبِّب لنا حزناً ولا ألماً
حاول أن تشعر وكأنك جنديٌ في لعبةِ شطرنج ، تحرككَ قوةً تهدف لاستخدامك في تغييرات كبيرة في مصائر الناس وشؤون الحياة ، قد تساورك فكرة أنك سَتفقِد كل ما تملك ، أو أنك تخسر شيء عزيز عليك ، دع الخوف وفكر أن من سيفقدك هذه الأمور ، سيعوضك بشيء مثلها أو أغلى منها ، وبذلك تزول هذه المخاوف وتعود لهدوئك واتزانك
إن سر العمل هو عدم التعلّق به ، هذا هو مفتاح هذا القانون
إن الإنسان العادي يحسب أن سعادته تتوقف على أشخاصٍ أو أشياء بذاتها ، بينما الإنسان المتحرر يعلم أن سعادتهُ تنبع من داخل كيانه ، من ذات نفسه ، لذلك فهو قادر أن يحيل الأشياء والظروف التي تسبب العناء والألم لغيره ، إلى مصادر سعادةٍ ورضىً له …فما دام الإنسان يربط سعادته بشخص أو شيء معين ، فإنه عبدٌ لذلك الإنسان أو الشيء ، فإذا وجد لنفسه فَكاكاً من سلطان تلك الرابطةِ وأصبح سيِّدُ نفسه ، يجد في قرارتها يُنبوعاً للسعادة لا ينضَب ، وليس معنى ذلك أن يكفَّ عن حب الناس ، بل بالعكس ، إنه يجزل لهم الحب خالياً من المصلحة الشخصية والأنانية ،
إمكانيات العقل البشري
إن خير ما أنتِجَ في هذا العالم ، أنتَجَهُ الأفراد الذين حصروا فكرهم في عملهم ، لا أولئك الذين يجعلون الأجرَ نُصبَ أعينهم وهم يعملون …
إن الموهبة التي تدفع الفنان لانتاج لوحةٍ خالدة ، أو الكاتب لِكتابٍ قَيِّم أو الموسيقي ليبتكر لحناً رائعاً ، تلك الموهبة هي التي تجعل الفرد ينجح في أي عمل يتولاه ، إنها موهبة العمل للعمل ، الذي يجد من يعمله اللذة والرضى عن نفسه لأنه أنتَجَه ، وهذا هو العمل الذي أنتج روائع العالم ومعجزاته ، إن مثل هؤلاء لا يجرون وراءَ الأجر ولا يهتمون بالرزق ، ومع ذلك فالسعادة تأتيهم والرزق مِلءُ أيديهم بغير سؤال
كل شيءٍ يطلبه الإنسان وهو يعتقد أنه سيكون مصدر سعادته ، يجد فيه عند الحصول عليه نواة الألم ، أما إذا لم يربط سعادته بالأشياء ، وعرف أنها مجرد ضرورات عارية تأتي وتذهب ، عند ذلك تفقد الأشياء ما يكمُن فيها من أسباب الألم ، ألم فَقدِها أو عدم العثور على السعادة المنشودة من ورائها …
إننا عندما نقول أننا نحب شخصاً ، إنما نقصد أننا نريد من هذا الشخص أن يحبنا ، فإذا بخل علينا بحبه ، أصبحنا تُعساء ، لأننا لم ننل حبه الذي نتمناه ، والحب الصحيح ليس كذلك ، إن لِذَّتهُ تكمنُ في سعادة المحبوب لا في كسب السعادة منه ، الحب الصحيح ينبعث من المحب كأشعة الشمس ، لتغمر المحبوب ولا تعود منه بشيء للمحب ، أما الحب الأناني ، فإنه يجذب إليه كما تجذب الدوامة الأشياء ، فمن يريد أن يحب حباً حقيقياً ، يجب عليه أن يحتفظ بحريته ، إن الحب رغم عظمته ، مرضٌ ما دام يدمر حرية النفس ، أو حتى يمسها بسوء ، لذلك إذا أردت أن تُحب ، فجنب نفسك الحب ، إتخذ منه عبداً لك ، تجد معجزات الطبيعة كلها في قبضة يدك ، ولا تجعل غاية الحب هذا العمل أو ذاك ، وإلا كانت فيه نهاية الحب ، ولكن إبحث عن هذا العمل أو ذاك ، أو ألف عمل ينتهي كل منها بالحب ، وبذلك تصل أخيراً إلى خلق ذلك الذي تشتهيه الآن ، فإذا انتهى كل هذا وذهب كل شيء ، بقي مُلكاً لك شيء خالد وعظيم ، لا يستطيع بشر أن يَسلبك إياه … إنه الحب والمحبة الغير مشروطة
العقل وسلطان الإرادة
· بكامل الهدوءٍ والحَزم ، وكما تنتزعُ الذبابة أرجلها من العسل الذي وقعت فيه ، كذلك أنت ، ولو لمرةٍ واحدة ، إمحِ كل ذرةٍ تكدر صفاءَ عقلك .
· لا تدع أي اضطراب يهبط بذلك الشيء الجوهري ، إلى عالم المتناقضات والموت والآلام ، فيعلَقَ بشراكها ، فكما أن الشُّعاع ينطلق من المنارة بسرعة هائلة فوق البر والبحر ... ومع ذلك لا يتحرك المصباح ، كذلك جسدك الذي تحركه الرغبات بغير انقطاع ، وهو لا بُد فاعلٌ بحكم الطبيعة في عالم الآلام ، يبقى الأنا ثابتاً محلقاً في السماء
· لا تدع أي اضطرابٍ يستولي على عقلك في هذا الأمر ، ولكن إذا قَرَعت الرغبة بابك ، فمع أنك تسمح لها بالدخول ، وتُغدِق عليها الكَرَم قياماً بالواجب ، عليك أن تقيِم حولها سياجاً يفصلُ بينها وبين نفسكَ الحقيقية ، وإلاّ مزَّقتك وقطّعتك
· إذا تراجعت نفسك مشمئزةً من مظاهر غرورِ العالم المحيطة بها ، ومن تَفاهةِ أهداف الناس وقِيمها الفارغة ، ومن شَرَهِ وضراوة وقسوة وظلم وعمى بصيرة البشر ، وسئمت التمثيلية التي تدور فصولها ، وتقوم بها الدُّمى في كل مكان ، ولا يبصرها إلا ذَووا البصيرةِ والعقل السليم ، إذا اشمأزت من هذا كله ، فاخلُ بنفسك وغُص في أعماقها ، حيث السكونُ والصّمت ، لا تيأس ولا تُفَكر في اعتزال العالم ، ولا تذرف الدمع حزناً ، واذكر أن عليكَ عملاً لا يحسنُ أداءه أحدٌ غيرك ، وإن لحياتك غاية ، وإن لها لحِكمة ، فإذا هَدَأت ثورتُك واستجمعت قوّتك ، عُد للمعركةِ وخُضها بإيمانٍ وحَزم ، وقُم بعملِك كأحسن ما يكون ، فإن في ذلك ذكاءُ نفسك وارتقاءها على سُلّم التطور ، ليس تطوُّركَ وَحدك فحسب ، ولكن تطورَ الجنس البشري بأكملِه
· لا تحزن لما وجدتَه من تفاهةٍ وشر ، فكل شيءٍ لحِكمة ، ولكن شيئاً واحداً يجب أن تحذره ، ذلك أن تَتَعلّق بثمارِ عملك ، وأن تطمع في الثّوابِ عليه ، إحفظ عينيك صافيتين وعقلك غيرَ محجوبٍ بالغيوم
· لا تحسب أنك تستطيع أن تَتَجنَّب المعركة ، ولكن اهتدي بهَدي ضوءٍ الطريق الذي يقول : ومع أنك تحُارب ، فلا تَكُن المحارب ، فإن كانت نتيجة أعمالك قد وضعتك في صميم المعركة ، فخُضها فإن ذلك سبيلك الوحيد ، للتَّغلُّب على ما يسبب لك الهموم ويزعجك ، فإنك لن تستطيع الهرب من السبيل الذي أُعِدَّ لك ، يجب أن تأتي عليه وأن تصل إلى نهايته
· إذا استطعت إدراك روح هذه الكلمات ، وجعلتها جزءاً من وعيك ، فإنك بغير حاجة إلى المزيد من إيضاح قانون الكارما ، إنك تحيا حياةً صحيحةً ، وتدرك الأشياء ولا تنخدع بمظهرها الذي يبدو من وراء حجب الوهم ، إنك تدرك نفسك وتعرفها ، فإن تم ذلك ، وضح لك كل شيء ، فلتكن هذه الكلمات وهذه الأفكار لك مصدرَ السلام الدائم …
طريق الحكمة
طريق الحكمة الروحية ، هي الطريق الذي يُفَضّلهُ أصحاب الاتجاه العقلي من طلاب وفلاسفة رجالاً ونساء ، حيث تستهويهم أعمال الفكر والتعليل والبحث العقلي الرفيع ( الميتافيزيقي ) الذي يُقرُّهُ العلم ، لكنها ليست وَقفَاً على هؤلاء ، بل هي بمُتَناوَل يد كل من يريد معرفة أسرار الحياة ، أسبابها وأهدافها
إن خطأ الباحث عن الحقيقة أنهُ يبحث عنها دائماً حوله ، فلا يجدها لسببٍ بسيط ، هو أنها في داخله ،
ليس في بلاد العالم كلها بلد تنمو الخرافة فيه وتزدهر ، كما تنمو في الهند ، لسبب بسيط واضح ، هو أن الظروف الملائمة للخُرافة والبِدَع ، هي نفسها خير الظروف لأعمق الأفكار والأبحاث .
طريق الحكمة تَرى في كل الديانات وفي كل الفلسفات حقاً ، ولكن الحق فيها ليس سوى ذرةٍ من الحق الأعظم الكامل ، إنها لا تعترضُ على دينٍ أو فلسفة ، ولا تُسَفّه منها أحداً ، إنها تتقدم بشيء واحد هو أن أي دين أو فلسفة ليس هو كلُ شيء ، وليس هو كل الحق ، إنها لا تنتمي إلى دينٍ أو مَذهب ، لأنها ترى أتباع كل الديانات المختلفة إخوةً لها مهما اختلفوا ، إن مذهبها يتسع لمعتقداتهم جميعأً ، ولكنها تأبى لأن تتقيد بقيود أيٍ منها .
إن المشكلة الرئيسية في كل دين ، هي أن كل منها يجعل للهِ حدوداً ، وللدّين قُيوداً ويتّهم غير أتباعهِ بالعصيان ، ويحكُم عليهم بالإقصاء والحرمان ، وطريق الحكمة لا يرى لله حدوداً ولا يرضى بأن يخرج من خَلقِ الله أحداً عن نِطاق رحمته .
العقل المحدود لا يُدركُ غيرَ المحدود ، ولكنه يدرك قليلاً منه بواسطة العقل الروحي ، وهذا القليل هو الذي يطلق عليه اسم الحقيقة ، لأن كل إنسانٍ يستطيع إدراك ذلك القليل ، إذا سمَحَ للعقل الروحي بأن يمسك زمامِ أمره
ينصح طالب الحكمة الروحية أن يقوم بتدريباتٍ عقلية وأن يلتزم النظام ومراقبة النّفَس ، بحيث يكون الهدف أن يستطيع الإنسان أن يُنحى عن عقله ما يثَقُلهُ من آراءٍ ومعتقداتٍ تم تَلقينهاً له منذ طُفولَتِه ، وبدون أن يُسمَح لهُ مناقشتِها ، فبقيت ثابتةً في العقل مُسيطرةً عليه ، حيث لا بدّ من تَنحِيتها حتى يستطيع العقل ، أن يبحث ويتدبّر ما يُلقى إليه بدون عقبةٍ صادمةٍ ناشئةٍ عن تأثُّر العقل بما يسيطر عليه من القديم ، لأن الإنسان عليه أن يرى أن العقل إذا تجرد مما ألفه ، وقد نضج لتقبل الحق ، يعرف الحق بمجرد أن يُعرضَ عليه ، لأنه يميزهُ بفطرته .
على الطالب أن يدرك أن الله له صفات القدرة ، والعلم بكل شيء ، والحضور والتجلي في كل مكان ، ولا بد للطالب أن يفهم هذه الصفات ، فالقدرة معناها أن كل ما في الوجود من قوة ، هي قوة الله ، حتى أن قوة إدراكنا هو من قوته ، فلا مكان لقوةٍ غيرَ قوةِ الله ،
الطقس الجميل هو الذي يَسُرُّ الإنسان ، والطقس الرديء هو ما لا يَسُره ، ولو كان الإنسان مجرداً من الجسَد الذي يحسُّ بالطقس ، لاستوى لديه الطقسُ الجميل والرديء …
حضور الله وتجليه في كل مكان ، فإن لم يكن الله موجود في أية نقطة ، أوفي أصغر ذرة ، فإنه إذن غير موجود في كل مكان ، وتكون الحقيقة التي قررناها باطلة ، وإن كان موجوداً في كل نقطة ، فلا مكان لغيره ، إذن : فإن صح ذلك ، فإن كل شيء وكل نقطة تكون جزءاً من الله أو مظهراً له أو مُنبثقةً عنه ،
العلم الحديث مليء بالنظريات ، التي تثبت أنه ليس في الوجود إلا مادةً واحدة ، وأنّ هذه المادة تُشغِلُ كلّ مكان ، كما يقرر العلم أن ليس في الوجود سوى طاقةٍ واحدة ، تظهر بمظاهر وأشكال متعددة .
العلم بكل شيء ، إن الله حكيم بكل شيء عليم ، والمعقول أن العلم موجودٌ دائماً ، وأن ما يأتينا من العلم ، إنما هو بِقدرِ تفتح عقلنا لاستقبال هذا العلم ، أو بقدر ما يتَّسِع لما يفيض عليه من نور
الصفات ، التي يَتَجلى بها الله أو يظهر فيها وهي : المادة ، والطاقة أو القوة ، والعقل ، وهذا قولُ العِلم ، أما ما يُعَرِّفهُ أهل الحكمة بأنّه الرّوح : فهو مظهرٌ أعلى وليس من هذه المظاهر الثلاثة ، لأن الروح عقلٌ في أسمى درجاتِ الصفاء ، وهي أكثرُ من ذلك ، إنها شيءٌ من الله لا تُدرِكهُ الحَواس ، فَصِفةَ الحضورِ في كلّ مكانٍ تتَجلى في المادة ، وصِفة القُدرةِ على كل شيءٍ ، تَتَجلى في الطاقة ، وصِفَةَ العلم بكل شيءٍ ، تَتَجلى في العقل ، فإذا فكرنا في الله على أنّه العليم ، فكرنا في العقل ، ذلك المظهر من مظاهرِ قُدرته ، وإذا فكّرنا في الله على أنه الخالق المبدع ، فكرنا في القدرة التي هي مظهرٌ له ، وإذا فكرنا في الله على أنه موجودٌ في كل مكان ، فكرنا في المادة بصورةٍ من صِورها المتناهيةِ في اللُّطف ، كالأثير الذي لا يُرى ، ولكنه أخيراً مادةً ، تَتَجلى فيها قدرةُ الله ، ( إن رفعتَ حجراً وجدتني ، وإن شَقَقتَ شجرةً فأنا هناك ) ،
الطاقةُ والعقلُ مظهرانِ من مظاهرِ الله ، والعقلُ ماثلٌ في كلّ شيء ، من أصغرِ ذرةٍ من ذرات المعادن ، إلى الإنسان ، وإن تفاوَتَت درجاته ،
إن أقلّ ذرةٍ تملكُ ذَكاءً باطنياً يجعلها قادرةً على أن تعمل ما يُعجِزُ العقلَ البشري عن معرفةِ كيفيةِ عَمَله ، وأن أقلّ نوعٍ من النباتاتِ لَفيهِ من الذكاءٌ الغيرَ محدودٍ يعملُ بواسطتهِ ما لا يستطيع الإنسانُ بعقلهِ مهما سما أن يعملَ شيئاً مِثلُه ، فالله يَتَجلى في أدقِّ ورقةِ نباتٍ على ثلاثِ صورٍ هي : المادة أو الجسم ، والقدرة أو الطاقة ، والتدبير أو العقل
مفهوم القوة العاقلة
يستطيع الإنسان أن يجمع عناصر بذرةٍ ما من بذور النبات ، من المواد التي حوله ، ويُكَوّن منها بذرةً صناعيةً تُشبِهُها تماماً ، ويستطيع أن يُحيطَ تلك البذرة بالتربةِ الصالحةِ لنُموها ، ويهيئ لها ظروفَ النُّمو ، ولكنها رغم ذلك لا تَنبُت ولا تَنمو ، لأنها تَنقُصها القُدرة على النّمو والتدبير ، والذي يُرتّب عَملَ القدرةِ على النّمو وينظمها ، هو العقل الذي تعجزُ قدرةُ الإنسانِ عن أن تَصنعه أو أن تهبهُ للبذرةِ التي صَنَعتها ، فكل ذرةٍ في بذرةِ النبات ، تحوي في نفسِها العقلَ الكامنَ الذي يعمل على تَنشِأة النّباتِ من البذرة ، وبنفس الطريقةِ تتكون أجسادنا ، إن في كل شيء قَدرٌ من العقلِ العامِ المُطلق ، يناسبُ حياتهُ ويَفي بحاجاته ، والعقلُ العامُ يصدرُ عن اللهِ وينبثقُ عَنه …
إنّ قوةً عاقلةً لا تُقاسُ بها قوةَ عقل الإنسان ، تُدبّر شؤونَ الحياة ، يستطيع الطالب أن يحسها حوله في كلّ شيء ، إنْ هو فَحصَ حَبّة قمحٍ أو عَينَ أرنَب ، ستَتَكشف له عجائبُ الإعدادِ والخَلقِ والإبداع ،
إن ذكاء الإنسان لثابتٌ لا يزيد ، ولكن الذي يزيد فيه هو قدرتهُ على تَقَبُّلِ المزيدِ من علمِ مصدرَ كلّ عِلم
كلّما تَقدّمت النّفس وتَفتّحَت ، استطاعت أن تَتَقبّل نصيباً أكبر من كلّ صفاتِ الله الثلاثة ، فهي تستطيع أن تَعَلمَ أكثر ، وأن تُصبح أقوى ، وأن تَتَسَّلط على المكان والمادة ، وكلّما تَفتَّحت النفس ، ساعدت على نَيلِ حصةٍ أكبر من علمِ الله ومن قوة الله ، ومن قُدرتهِ على الوجودِ في كل مكان .
الإنسان وإن كان مِنَ الله ، إلا أنه ليسَ إلهاً ، وهو وإن كان مظهراً للخالِق ، فإنه ليسَ الخالقَ نَفسُه ، إنما هو التعبيرُ المحدودُ لغيرِ المحدود ،
إنّ أساسَ تعليم قانون الحكمة الروحية هو أنّ كلّ الوجود ، ظاهرهُ وباطنهُ ، صادرٌ عن الواحدِ الأحد ، فالحياةُ والعقلُ موجودان في كل كائنٍ وكلِّ مكان ، فالكَون ليسَ جماداً لا روحَ فيه ، إنه حيٌّ ينبضُ بالحياة والقوةِ والعَقل ، إنه كائنٌ حي ، وكل منا جزء منه ، ومِن كُلّيته ،
إنّكّ لستَ الله ، ولكنّكَ ذَرةً في شعاعٍ من أشعةِ نوره ، تَتَجلى فيكَ قُدرَته ،
إنّكَ على اتصالٍ بالمركز ، والمركزُ يعرفكَ ويعرفُ صِلتُكَ به وَصِلتهِ بِك
إنّكَ وإن كنتَ ذرة ً ، إلا أنكَ جزءاً من الكُل الضَروريِ للكُل ، لا غنىً له عنك ، إنّكَ منه ، فلا يَضُرّنكَ شيءٌ ولا يُدمِّركَ شيء
إنكَ تزدادُ معرفةً له وتزدادُ شعوراً باتحادكَ معه ، شعوراً ليسَ نتيجةَ التفكير العقلي وَحده ، إنهُ يَقين ، وعَينُ اليَقين …
_يتبع_

Admin
Admin

عدد المساهمات : 3151
تاريخ التسجيل : 05/03/2012

https://alhoriyatmaroc.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

دليل الحياة الروحية المثلى Empty الطرق تحقيق الأهداف

مُساهمة  Admin الخميس ديسمبر 25, 2014 1:14 pm

طريقُ الخلاصِ والعِبادة :
وتعني التقدم في معرفة الله والاتحادِ به ، بقوةِ المحبّة والإلهام التي تأتي من التَعلُّق بحبِ الله على طريقةِ أيِ دينٍ منَ الأديان ، وسلوك طريقِ العبادةِ التي تَتَماشى مع ذلكَ الدين
طريق الإخلاص والعبادة تُولِّد في القلب ، الحنينَ إلى الحبّ في الله والحبّ لله ، تلك الرّغبة التي تُطلَقُ على مظهرِ العاطفةِ الدينية ، غريزةَ التّعبُد ، وما من إنسانٍ إلا ظاهرة فيه صورةً من صورِ هذا التّعبُد ، حتى أولئكَ من يُسَمونَ أنفسِهم بالأحرارِ من المفكرين ، كل هؤلاء يحِسون هذه الغريزةِ ويُظهِرونها في حبّ الطبيعةِ أو الفنِ أو الموسيقى ، ولا يخطرُ لهم أنهّم بحبهم هذا لأيٍ مما يُحبون ، إنما يحبونَ مَظهراً من مظاهرِ الإلهِ الذي يجحَدونه ، وبذلك يمجِّدونَ الله وهم لا يَشعُرون .
إن الله واحدٌ لا يَتغَير ، هو بالأمسِ واليومِ والغَد ، ولكنّ تصورَ الإنسانِ هو الذي يَتغير ، مع تطورِ الإنسانِ الفكري ، إن إلهَ الإنسان ، هو صورةٌ لذلكَ الإنسانِ في أحسنِ حالاته ، وبديهيٌ أن الله سبحانه ما تغيرَ قَط ، وإنما هذا الخلاف سببهُ تطوّر عقولِ الناس ، الذين تتألف منهم الجماعةُ أو الطائفة ، فكلّما ارتقى الإنسان ، تَكشّفت له في الله ، صفاتٍ لا تليقُ به من التي تُبَشِّرُ بها الأديان ، ولمّا كان الإنسان يتعبد اللهَ في أحسنِ ما يتخيلهُ من صفات ، فإنه دائماً يضع عن إلهِهِ ما أضفاه عليه بالأمس من صفات ، يُنكِرها عقله اليوم ، ليُضفي عليه ما يتناسب مع فكرهِ اليوم ، فإذا أشرقت على الإنسان في غدهِ أفكارٌاً أعلى وأسمى من أفكارِ هذا اليوم ، رأينا إلهَ الغَد يتمتع من صفاتِ الألوهية بما لا يتمتع بهِ اليوم ، والله واحدٌ لم يتغير ، وإنما فكرُ الإنسان هو المتغير ، وَتِبعاً لتغيّرهِ ، تَتَغير الصورة التي يرسمها لمعبودِه
فالمتوحش والمتخِّلف عن الطريق ، يؤمن بإلهٍ يبدو لنا شَيطاناً ، لكنه شبيهٌ بذلكَ المتوحّش ، إنه يَنحتُ صَنماً بَشِعاً يمثّل له ذلكَ الإله ، ثم يخرُ له ساجِداً أو يرقُص حَوله ، ويقدّم له القرابينَ التي قد يكونُ من بينها دَمَ الإنسان ، وهو يعتقد أنّ إلههُ يُحِبّ منظرَ الدّماء لأعدائهِ كما يحبُها هو ، وأعداءُ ذلكَ المتوحش ، هم دائماً أعداء لإلهِه ، وهذه عقيدةٌ تُصاحبُ الإنسانَ منذُ أمدٍ بعيد ، ومن اليسيرِ أن نَراها أينَما تَوَجّه نظرنا …
وهكذا تتقدمُ البشريةُ خطوةً خطوة ، ويرتفع مستوى اعتقادِ المؤمنين في صفاتِ الله ، أو ما يَتّخذونهُ رمزاً لله ، ويَصحَبُ كلّ خطوة التّخَلي عن مُثُلٍ عُليا قَديمة ، لِتَحلّ محلّها مُثُلَ أكثرَ تهذيباً وتَرَفُّعاً ،
والأجناسُ المتخلفةُ لا تستطيع تَصوُّر فِكرةَ الإلهِ الواحد ، وإنما تَتَصورهُ آلهةً مُتَعددِّة ، كلٌ مِنها له مظهرٌ لصفةٍ من صفاتِ الله ، أو لمرحلةٍ من مراحلِ الحياة ، ، فَلَهُم إلهٌ للحَرب ، وإلهٌ للسّلام وآخرَ للحُب وآخرَ للزراعةِ والتجارةِ… إلى غير ما هنالك ، يتعبّدون ويتقرّبون إليها لنيلِ رِضاها ، وهم لا يشعرونَ بأنهم في عبادتهم هذه ، إنما يستجيبونَ للغريزةِ الدينية التي تقودُهم في النهاية لعبادةِ اللهِ الواحد ، إنما يُضفونَ على الله صِفات الإنسان ، حتى بعد أن يتطوروا في إيمانهم من عِبادةِ المتعدد إلى عبادةِ الواحد ، كيفما كان إدراكهم له ، فهم يتصورون أن ذلك الإله ، يُقَسّم الناسَ فريقين ، أصدقاءَ وأعداء ، يُحسِنُ إلى أصدقائه ويُنَكِّل بأعدائه ، إنهم يُنسبونَ إلى اللهِ فِعلُ ما كانوا هم أنفسهُم يَفعلون ، لو أُبيحَ لهم أن يقدروا على منحِ المكافئة وتوقيعِ العقوبة ، وهم يعتقدون أنهم أحبابُ الله المختارون الذين اصطفاهم لنفسهِ ، فهو إن قاتلوا ينزل معهم إلى ميدان القِتال ، وينصرهم على أعدائهم وأعدائه ، كذلك أعداءُ هؤلاء ، لهم آلهتهم التي رسمها لهم خيالهم ، يُطلقونَ عليها الأسماءَ ما راقَ لهم ويعتقدون نفس اعتقادِ سابقيهم ، هذه الآلهة ما هي إلا نِتاج عقلِ الطائفتين المتقاتلتين ، خُلِقت استجابةً للغريزةِ الدينية في مرحلةٍ من مراحلِ تطورها
لقد اضطهدَ الإنسان أخوهُ الإنسان لأنه رأى في الله غير رأيه ، فلما اشتد ساعدُ الضّعيف المضطهد ، وتمكّنَ ممن هم أضعَفَ منه ، ممن يرى في الله غير رأيه اضطهده أيضاً ، وكلٌ يعتقد أنه يُنفِذ مشيئةَ الله ، وهو ينكل بخصمهِ الضّعيف ، وذلك الخصمُ الضعيفُ أيضاً يَلقى التّنكيلَ راضياً ، لأنّه في سبيل الله …
وأياً كانت العبادة ومهما بَلغَت من البدائية والهمجية ، فإنها تصعد إلى اللهِ بمشيئته ، وسواءً كان الرمز الذي يَتَعبّدُ له الناس حَجَراً أو عَصاً أو شَجرةً أو حَيةً ، أو ما أوحى خيال الإنسان من صورٍ يرسمها لما يعتقده ويتصوره إلهاً له ، فإن المعبودَ هو الله الدائم ، القوي العليم بكل شيء ، الموجود في كل مكان ، فمن عَبَدهُ في أعلى ما يتخيل من صِفاته ، فقد أحسنَ صُنعاً ، شأنه شأن الذين وصلوا مراحلَ سامية ،
إنّ واجبَ من أوتيَ شيئاً ولو قليلاً من العِلم ، أن يأخذ بيدِ من هم أقلّ منه شأناً إن استطاع وقبلوا معونتهُ وإرشاده ، ولكن ليسَ لنا أن نُعَيِّر من هم دونَنَا إيماناً وعقيدةً ، فهُم إخوتنا في الله ، يَسيرونَ على الطريق ، شأنهم شأننا ، وما نحن وهم إلا أطفالٌ في مختلفِ مراحل التعليم ، كلٌ حسبَ سنهِ ونُضجه ، كلٌ يَعملُ على شاكِلته ، كلٌ له من الفهم ما يمكنه منه سِنه ، كلٌ يحاول أن يصلَ بما يَعلَمَهُ إلى حدِّ الكمالِ الذي يستطيعهُ ويتصوّره
يجب علينا ألا نَسخرَ مِن أحد ، أو نتّهم أحداً أو نبغضَ أحد ، يجب أن يَغمُرَ حبنا كلَّ إخوتنا ، حتى ولو كانوا لم يفتحوا أعينهم بعد على ضوءِ المعرفة ،
أقسام طريق الخلاص
طريق الخلاص والعبادة تنقسم إلى فرعين :
الأول وهو مرحلةٌ ابتدائية ، فيه يعبدُ الإنسان الله إلهاً شخصياً ، والثاني وهو الأعلى وفيه يعبد الإنسان الله مجرّداً ، والواقع أن العبادتين تتجهان إلى إلهٍ واحد ، وإن كان مبلغ نضج أتباع المذهب الأول ، لا يُيَسّر لهم العبادة المجردة ، فيجدون أنفسهم قد تخيلوا إلهاً يصفونهُ ويعبدونه
الإنسان البدائي مدفوعاً بالغريزة الدينية ، يُرضي غريزةَ العبادةِ في نفسه بتوجيهها إلى رموزٍ فجة ، فيعبُد قطعاً من العصا أو الحجارة والرعد والبرق والشمس والقمر والنجوم ، وغيرها من ظواهر الطبيعة ، ثم يتطور الفكر إلى الشعور بأن الإله ، لا بدّ أن يكون شخصاً ما في صورة رجل بالغ الضخامة ، يعيش في مكان ما في الفضاء ، حيثُ يَرى ولا يُرى ، ويتصور العقلَ أن الله يتصف بنفس صفاتِ الإنسان ، إلا أنه يفوقهُ في كل صفةٍ قُدرةً وعَظمه ، ولأنه في هذه المرحلة قاسياً متعطشاً للدماء ، فإنه يتصور الله مُتّصِفاً بالقسوة ، محُباً لسفكِ الدِماء ، وإن كان الإنسان أسودَ اللّون ، فإلهه أسود مثله ، وإن كان مغولياً ، أو هندياً أحمر أو يَركبُ ثوراً أو فيلاً ، فإنه يتصور إلههُ مِثله ويلبس نفسَ لِباسه ، ويمارسُ نَفسَ عاداتهِ وتقاليده، فكلُّ أمةٍ مندفعةٍ للغريزةِ الدينيةِ تبتكرُ صورةً لإلهها ، ولا تخرجُ هذه الصورةِ عن صورة مبتكريها ، تحبُّ من يحبون وتكرهُ من يكرهون ، وكل إلهٍ من هذه الآلهة وطنيٌ مُتَطرف ، وحبهُ لموطن الشعب الذي يعبده فقط ، ومُتطرِّفٌ في كراهيتهِ للبلادِ الأخرى وأهلها .
ومُجمَلُ القولِ أن آلهةَ هذا الطورِ من أطوارِ البشرية ، يَتصفونَ بصفاتِ البشرِ أنفسِهم ، وكيف لا والناسُ رسموا للآلهةِ صِوراً لا يستطيعون أن يتخيلوا إلهاً يتسامى عنهم كثيراً ، وأنى لهم أن يَرسموا ما لا يُدرِكون ؟
هذه الآلهةِ تطلبُ من عبادها التَملٌّق والقرابين ، ولهم طائفةٌ كبيرةٌ من الكُهانِ ، يتغنونَ بمديحهم ويُرتِلون لهم عباراتِ الخضوعِ والطاعة ، ومن صفاتِ هذه الآلهةِ حُبها أن يَتَمرغ عِبادها في التراب ، تحتَ أقدامِها يُعلنونَ عُبوديّتهم لها ، وكأنما هي تَسيرُ سَيرَ ملوكِ العصر وشيوخه ، وهي تسبغُ الخيراتِ على الشّعبِ إن هو أغدقَ القرابينَ والنُذور ، فإن لم تَتَقبل القرابين ولم ترضَ عن النذورِ لأنها ليسَت سَخية ، صَبت ألوانَ الغضبِ على الشّعبِ لتكفلَ الإسراعَ في تقديمِ القَدرِ الكافيَ من تلكَ القرابين ، وهي تحبُّ رائحةَ اللّحم المشوي ، تُقَدّمُ مُحرقةً قرباناً لها ، ورائحةَ البَخورِ والنّدِ والعود ، وكثيراً ما تَطلبُ دماً بشرياً يُرَشُ على مَذبحِها ،
ولقد رَسمَت شعوبٌ كثيرةٌ آلهتها ، ونَحَتت لها تماثيلَ أغرت الناس بِرَمزيتها ، فمنهم مَن عَبَدها وغابَ عن بالهِ الإله ، واستمرَ في عبادةِ التِمثال ، كلُّ هذه حقائقَ نَسوقُها ليرى الطالب وعورةَ المسالك التي اجتازها الإنسانَ في سَعيِهِ إلى الله ، وما كان دَورُ الدياناتِ إلا لِتُشكل خُطوةً من خطواتِ تَقدمِ الإنسان نحو اتحادِهِ بالله ، ويجب أن نَنَظر إليها على هذا الأساس
إن الملحدُ الماديُ يتعاملُ معَ هذه الحقائق ، على أنها تأييداً لرأيه في فساد الديانات جميعاً ، لكن التاريخ يُثبتُ فسادَ ديانةِ كلّ عصرٍ في رأي العصرِ الذي يَليه ، والماديُّ هذا لا يُدرك أن نظريتهُ نفسها عن المادةٍ والطبيعة ، ما هي إلا خطوةً أخرى من خطواتِ التطورِ الفكري ، وأنّ مركزه الحالي ، ما هو إلا درجةً من درجاتِ السُّلمِ ، تماماً كما كانت تلك النظريات والآراء السابقة التي سَخِرَ منها في حاضِرة ؟؟؟
كُلّما تَقَدمَ إدراكُ المؤمنين وارتفعَ مستوى نوعُ تعاليمِ دينِهم ، أسقطَ أئمّتهم بعضُ ما لا يَتناسبَ مع حالِ المؤمنين ، حتى تستقيمَ الأمور
كثيرون من أدركوا فسادَ بعض التعاليم الدينية ، فخرجوا من حظيرة الجماعة وهم ينظرون باحتقار لمن ظلوا ثابتين على دينهم ، وهذا خطأ فاحش ، لأن من بَقيَ محافظاً عليها ، فَلأنها الأصلَح والأنسب لظروفهم وإدراكهم ، وعندما ينضجوا ويسمو إدراكهم سيخلعوا تلك التعاليم كما يُخلعُ الثوبَ القديم ، وإن استهزاء السابقين بالمتخلفين لا يقل خطأً عن ثورة المحافظين على المجددين المارقين ،
والإنسان المدرك الحقيقي ينظر إلى الناس جميعاً نظرةَ المساواة ، فالكل متجهٌ نحو الله ، بغض النظر عن المرحلة التي يجتازونها
المحبة الإلهية المطلقة
أنواع العبادة التي تتخذ لها إلهاً شخصياً ، سواء كان ذلك الإلهُ إلهَ متوحشين أو إلهَ الرجل المستنير المتمدين ، كل هذه الأنواع يشملها القسم الأول الذي تم ذِكره ، فإذا أسقط الإنسان من إدراكهِ كلّ فكرةِ الصورةِ الشّخصية عن الله ، انتقل إلى القسم الثاني حيث يكونُ الإيمان بالله بمعنى أسمى وأرفع ، لا لأن الله تنقصهُ الشخصية ، ولكن لأنه يتسامى عن الشخصية ، ويتجاوزها لأنه يتعارض معها .
إنّ مَن يحبُ الله ، يستطيع أن يحبه كما يحب الولد أباه وأمه ، أو المحب لحبيبه ، فإنّ صفات الله تشمل هذه الأنواع من المحبة جميعها ، ولها القدرةَ على الاستجابةِ لكلِ نوع منها ، فمن وَجَدَ في نفسه حاجةً إلى بِرّ الأب وظلِ جناحِ رحمته ، فما عليه إلا أن يفتحَ قلبه ليستقبل ذلكَ البِر ، وأن يطوي نفسه تحت جناحِ رحمته ، فيغمره البِرُ ويُظِللهُ جناحُ الرحمة
الديانات الغربية لا تعرف هذا النوع من حب الله ، ولكنه ليس بالشيء الغريب في الشرق ، حيث الحب الذي يشتعل في قلب المحب لحبيبه ، كما تحب الأم ولدها ،
منهجية الخلاص والعبادة تعلم أنه بِفضل حُب المريد الدائم لله ، يقترب منه شيئاً فشيئاً ، حتى يصل في النهاية إلى معرفة صِلتهِ بالله ، والإحساسِ بها ويتذوقها ، إن ما يحس به أصحاب هذا الطريق من حبِ الله ، لا يقاس بما يحسوه من عارم الحب ولذةِ القُرب ، وأن مَثَلَ الأول كَمَثَل حبَ الطفلِ لزميلِ طفولتهِ ولُعبهِ ، وهو يظنُ أنه يعرف طَعمَ الحب ، ومَثَل الثاني كَمَثل هذا الطفل إذا بلغَ هو وصاحبهُ سِنّ الرُجولة وأحَسَ الحبَ كلٌ مِنهُما لزميله ، الحبُ العميقُ البريءُ الذي يَدفعِ الرجلَ إلى افتداءِ صاحبهِ بروحه ، في المستوى الثاني يحسُّ الإنسان بأن الله يستجيبُ لكلِّ نجوى ويحقق كلّ رغبة ، وأنه يمس نفسه في ألف ناحيةٍ وناحية ، إنه محيطٌ به إحاطةَ أشعةِ الشمس بمن يريدها ، فما عليه إلا أن يخطو نحوها فتغمُره بدونِ أن يطلبَ من الشمس أن تَغمرهُ بأشعتها …
كذلك يؤمن أن كل الأيام هي أحدٌ وسبتٌ وجمعة ، وكل سَهلٍ ووَعرٍ وحقلٍ هي بيتٌ ومعبدٌ لهم ، وفي نظرهم أن كل رجلٍ وامرأةٍ وكاهنٍ وكاهنةٍ في محرابه ، وكل طفلٍ عاكفٍ على هيكله ، إنهم يَنفَذونَ بِبَصَرهم خلال الجسَد مُتَخطينَ هذا الحجابِ الكثيف ، إلى ما وراءِ الجسدِ من روح
إنهم لا يؤمنونَ بأن الله يطلبُ مِنَ الناس أن يحِبوه ، وأنه يحتفظ بالخير والبركة مكافأةً يُغدِقها على مَن يُحِبه ، وأنه أعَدّ العذابَ لمن يَبخلُ بحبهِ عَليه ، إنّه يرى في هذه العقيدةِ ما يَتنَافى وما يعتقدهَ في اللهِ مَن يَعرفه حَقَّ مَعرِفَته ، إنهّم يرونَ أن الله أجَلَّ وأعلى من هذه الأحاسيس التي توحي بالمكافأة والعقوبة ، فهُم يّرونَ أن الله مِثلَ الشمس ، تُشرقُ على الجميع
إنهم مع ذلك يعلمونَ أنه قد أعَدَّ لمن أتى الله بِقلبٍ سَليم ، ولكن ذلكَ النّعيمُ ليسَ مكافأةً له لرضا الله عنه ، وإنما نتيجةً لعملِ الإنسان في أن يتعرفَ على حقيقةِ الله ، بالمعرفةُ الحقةُ والإدراك
إنهم يُصَلّونَ لله في أوّلِ مراحلِ الطريق ، صلاةً يحملونها بمطالبٍ كمِثلِ السائلِ الذي يقفُ ببابِ الله يطلبُ حاجةً بعد حاجة ، حتى إذا قَطعَ مِن الطريق مرحلةً فَقَرُبَ بعضَ الشيءِ من النور ، بدأ يشعرُ أن صَلاتهُ هذه ليست وسيلةً للتّقربِ من الله ، فينتقلُ للمرحلةِ التاليةِ التي يسألُ فيها العونَ على الهِداية ، ويطلبُ من اللهِ القوةَ لبلوغِ مرحلةِ الصفاءِ الروحي ، وما أن يَصِلَ لهذه المرحلة ، حتى يِتَعرّف أن الصلاةَ لا تنفعُ الله ولا تُساعِده ، وأن الله غنيٌ عن عِبادته وثنائه وحمَده ، ومع ذلك فإن للصلاة أعظمُ الفائدة ، وفيها أكبرُ الخيرِ للإنسان ، لأنه بِفضلِها يقتربُ من مرضاةِ الله ، وتنسجم بها روحهُ مع الملأ الأعلى ، وتفتحُ مصاريعَ روحهِ لتياراتِ القوةِ والحكمة ، التي تغمرُ مَن يقتربُ من الله ، مصدرَ كل قوةٍ ومنبع كلِّ حكمة ، وهذا هو سِرُ الصَلاة
المناجاة والتوحد الروحي
إن الحالةَ النفسيةَ والعقليةَ وقت الصلاة ، هي التي تجعلُ الإنسان ، ينتقل إلى نوعٍ من الاندماج في قدرة الله وحِكمَته ، فتغمرُ الحكمةُ والقوةُ روحه ، ليَجدَ فيها العَونَ على هدوءِ العقل ، لأن العقل المحدود ـ عقل الإنسان ـ إذا اتجهَ إلى العقلِ الكلي غيرِ المحدود ، استمدَ منهُ الحكمةَ من غير قَول ، ولكي تؤتي الصلاةَ ثمارها ، يجب ألا تكون صادرةً عن الشفتين كأنما هي ثرثرةَ ببغاء ، فهذه لا تؤدي إلى فَتحِ مصاريع العقل ، لتَقَبلِ الحكمةِ الإلهية ، يجب أن تكونَ الصلاة حديثُ قلبٍ لقلب بينَ العبدِ وربه ، لا لأن الله بحاجةٍ إلى حديث يحملُ إليه حاجاتنا ، فإنه يعلم من أمرِنا ما لا نَعلم ، ولكن لأنّ حديثُ القلبِ يفتح شغافه ، فإذا تَفتّحت ، انصب فيها ما يملؤها عزاءً وحِكمةً من فيضِ من تَفتّح القلبُ للحديثِ معه .
يجب أن تُرفعَ الحواجزَ التي أقمناها بيننا وبين الله ، حين أبعدنا أنفسنا عنه ، إذ تَصوّرنا أنه بعيدٌ عنا ، مع أنه مِنا القريب
ناجِي الله كما تُناجي أباكَ وأمّك ، أو زوجكَ وحبيبكَ ونجيّك ، إنه كلُّ هؤلاءِ وأكثر ، وما أحسستَ أنَّه يُقرِّبكَ منهُ عَليكَ أن تفعله
آمِن بقربِ الله منكَ تجدهُ قريباً ، وابثثهُ نجواكَ ، كما تَبُثها لأقربِ القلوبِ من قلبك ، تجدهُ سميعاً ، إنّ الله لا يتربعُ على عرشٍ كملكٍ يطلبُ منكَ أن تَسجُد أمامهُ ذِلةً وخضوعاً ، وتُلقي سؤالكَ عِندَ قَدمَيه …
اللهُ يأمرك أن تَقتَرب منه وأن تجلسَ إليه ، وأن تَضَعَ نفسكَ في كَنَفِ رحمتهِ وعطفه ، وأن يَبُثَّ قلبكَ نجواكَ وشَكواك ، وأن تَذكُر قِصةَ همِّكَ وبَلواك ، ولا تظنُ أن الله بحاجةٍ إلى رأيكَ في تَفريجِ كربِك ، أو مَشورتِك في قضاءِ حاجتك ، إنما ألق عليهِ هَمّك وَدَع الأمر له ، مؤمناً بأنه سَنَدك ، وأنه راعيكَ وهاديكَ ومُرشِدك ، يُسَدّد خطاكَ لخيرك ، ويُلقي السدادَ إلى عقلِك ، فلا تخطئ ، وهو يُقويكَ ويعينكَ على ما فيهِ صلاحُ أمرك
إن لم تجد من كَربِكَ مخرجاً ولا لمشكلتِك حَلاً ، وإن لم تجد الطريق أمامك واضحاً ، فاتّجه إلى الله بجوارِحك ، فإنه يفتح عينيكَ على الطريق ، فَتسلُكه وأنتَ آمن
ليست هذه أقوالَ وعاظٍ وكُهانٍ اعتدتَ سماعها تُلقى مِنَ المنابرِ ، إنها الحقيقةُ العُظمى ، التي يحيا في ضوئها آلافَ السالكين ، إنك إن تَسلُك هذا السبيل ، تَزدادُ مع الإصرار في السلوكِ شجاعتك ، وتَقوى ثِقتِك في هذا الطريق ، وترى الأفقٍ الواسعٍ تَفتَّحَ لبَصَركَ وبَصيرتك
إنّ لُبّ الفكرِ في بحث صِلةِ الإنسان بالله ، هو أن الله هو المصدر الأكبر للحياة ، هو مركزُ الدائرة ونحن ذراتٍ في الأشعة التي تنبعث من ذلكَ المركز ، نحن لسنا منفصلين عنه ، ولكننا لسنا ذلك المركز نفسه ، إننا مرتبطون به ارتباطَ الأشعةَ بالشمس
إن القوة والحكمة هي ما يفيضُ منه مع الأشعة المنبثقةِ عنه ، ولسنا بحاجةٍ لأكثرَ مِنها إن نحن رَضينا أن نَتِّخذها عِدةً وعَوناً لنا ، وَرَضينا أن نمُكِنها من أنفُسنا لتكونَ أنفسَنا أداةً لها
المركز روحٌ نقيٌ هو الله ، وإذا ما تَفتَّحت روحنا ، اقتربنا من ذلكَ المركز ، وكلّما ازداد الناس نمواً في الروح ، ازدادوا قرباً ونوراً ، وكلّما بَعدوا عن المركز ، ازدادوا ماديةً وظلاماً ، إن وراء كوكبنا هذا عوالم أكثر بُعداً من المركز ، فيها ذراتٍ أكثر مادية مما نَتَخيّل هنا على الأرض ، كما أن بيننا وبين المركز عوالم بها كائناتٍ تَسمو على إدراك البشرِ بمراحل ، ذلك بما اقتربوا به من الله ، إن فوقنا كائناتٍ نورانية ، الفرق بينها وبيننا ، كالفرق بيننا وبين الأسماك البدائية ، ومع ذلك فهذه الأسماك البدائية وما دونها من مخلوقات ، داخلةً في دائرةِ الحبِ الإلهي ، مُتَمثلةً بتلك الأشعةِ المنبثقةِ من الله ، فَلِمَ تخافَ إذن ، ولماذا تفقدُ الإيمان والشجاعة ، إننا لا نفنى حينَ نموت ، ولا يمكن أن نمُحى منَ الوجود ، إننا جزءٌ من الكلِّ العظيم ، إننا في حركةٍ دائمةٍ متجهةٍ نحو الكمال ، نحو مركز الحياة وقُطب الوجود .
لا تحسبن حُبَ الله يستوجبُ طريقةً خاصةً من الحياةِ يَرضى عنها الله ، فما على الإنسان إلا أن يعيش كغيرهِ من الناس ، يعمل ويَسعَد في الحياة بكلِّ طيباتها ، لا يتشبث بشيءٍ بَعُدَ عنه ، ولا يَزهَد في شيءٍ أتيحَ له ، ولا تَظنُ أن الله يرضى عن العابِسِ المقطِب لجبينهِ أكثرَ من رِضاهُ عن المرِحِ الطَروب ، فالذي يحسُ بحبِ الله يَسري في كيانه ، خليقٌ بأن يكونَ سَعيداً مَرِحاً ، يُشرقُ حولهُ نورٌ يمشي بين يَديهِ أينما سار ، فَلِنتمتّع بالشمسِ والهواءِ والمطر ، ولنَضرِب في السّهلِ والجبل ، ولتكُنِ الطبيعةَ بجمالها من مشرقِ الشمسِ ومغربها ، مَجلَبةً لسُرورنا ، إنّ اقترابنا مِن الله ، يزيدُ إحساسنا بما هو حولِنا من جمال ، ويجعلُ كلّ شيءٍ مصدرَ سعادةٍ لنا ، وليكن شِعارنا في الحياةِ الرِّضا والمرَح …
تَذكروا أن الله لن يحجبَ حُبةً عن أخٍ مهما انزلقَ في مَهاوي الشّر ، ولا عن أختٍ مهما أظلمت الهاويةَ التي تَردّت فيها ، ولا يحجب الله رحمتهُ وبرهُ عن أشدِّ الناس إمعاناً في العِصيان …
إذا أحسستَ الرّغبة ، فلا تُمانِع ولا تُعارِض ، ولكن إفتح للشمس مغاليقَ نَفسِك ، وتَقَبل أشعَتها وسيكونُ كلُّ شيءٍ خَيراً ، لا تَخَف وتَجمّل بالحب الذي يُقصي عنكَ الخوف ، ضَع قلبَك في يَد الله …
الفضيلة ، الواجب ، القانون ، الاستقامة
الأخلاقيات أو الأخلاق تُعرف بأنها علم السلوك ، وهي تُعالج مشكلة جعل العلاقات بين الفرد والمجتمع مُنسَجمة ، وفي الغرب ثلاثُ نظرياتٍ هي :
· نظرية الديانات الُمنزّلة ، والسُلطان فيها لله
· نظرية الإلهام ، والسُلطان فيها للضَمير
· نظرية المنفَعَة ، والسُلطان فيها للعَقل
والُمتّبَع في الغربِ أن صاحبَ كل نظريةٍ من هذه النظرياتِ الثلاث ، يؤمن بأن مَذهَبهُ هو وحدهُ الحق ، وما عداهُ هراء ، أما طريق الخلاص ، فإنها ترى الحق في كل من هذه النظريات والمذاهب على السواء ، ولكلٍ منها مكانةً فيما تُسَميه العمل الصالح
نظرية الإلهام : يرى أصحاب هذا المذهب ، أن الإنسان يَعرفَ الخيرَ والشَّر بالإلهام ، وأن الله جعل في كل إنسانٍ قُدرةً غريزيةً تميِّزُ الخيرَ من الشّر ، ومركزُ هذه المعرفةِ هو الضمير ، وأنه بدافعٍ من ضَميره يَتَحكّمُ في نفسه ، فكلّ إنسانٍ يجبُ أن يُحَكِّمَ ضَميرهِ في تَصرفاته ، جَليلُها وتافهها ، مُتجاهلةً حقيقةً مُسَلمٍ بها ، وهي أنه لا يمكن أن ينَطبقَ ضَميرانِ لشخصينِ مختلفينِ على بَعضِهِما تمامَ الانطِباق ، والأخذُ بهذا المذهبَ مِن شأنه أن يجعلَ عددُ مبادئِ الأخلاق ، بِعددِ أفرادِ المجُتَمع
نظرية المنفعة ، فهي تقول بأن الفَضيلة هي ما تُمليهِ المصلَحَة ، سعادةُ الأغلبيةِ يجبُ أن تكون أساس جميعِ الدّساتيرِ الاجتماعيةِ والسياسية ، وهذه هي النظريةُ التي تُبنى عليها القوانينُ الوَضعية ، والقوانينُ الوضعيةِ وضعت على أساسِ قانونِ الطّبيعة ، الذي يَرتكِزُ على القوانينِ الإلهيةِ الأزلية ، التي لا تَتبَدل ولا تَتَغير ، وليس لأيّ قانونٍ بَشَريٍ وَضعي قيمةً ولا اعتباراً ، إذا ما تَعارضَ مع قانونِ الطبيعة ، وقد حَدَّدَ الُمشَرِّعُ الرومانيُ القانونَ البشري في ثلاثِ نقاط : أن تعيشَ بأمانة ، أن لا تَضُر بأحَد ، أن تُعطي كُلّ ذي حقٍ حَقه …
إنّ كُلُّ نفسٍ تَبني على ماضيها أساسَ مستقبلها ، إنّ ماضيها يَمتَد من حياتها الماضية إلى حياةٍ تتلوها حياة في المستقبل ، يكون للنفس فيها جسداً بعد جسد ، كما كان لها في الماضي جسدٌ قبله جسد ، فليست الحياة مجرّد وجودِ النفس في الجسدِ أعوامَ العمر في هذه المرحلةِ من الوجود ، فللنَّفسِ ماض سَبقَ وجودها هذا ، وسبقه أمسٌ متكررٌ بلا عَدَد ، ولها غدٌ بعده غدٌ إلى ما لا نهايةَ في الأبديّة ، يرتفع بها كل غدٍ إلى مستوىً أرفعَ من سابقه ، في حلزونٍ دائرٍ مرتفعٍ لا نهايةَ له
إنّ اختلافَ المرحلة التي تجتازها كل نفسٍ عن المرحلة التي تجتازها غيرها في الارتفاع ، يتبعه اختلاف في احتياجاتِ كل نفسٍ عن احتياجاتِ غيرها
إنّ تَقَدُمَ النفس وارتقائها نتيجةَ ارتِقاءِ الفكرِ البَشري ، وسمُو المُثُل العُليا للإنسان ، هو السّر في تَطَوّر معاييرِ الأخلاقِ ومفاهيمها .
إنّ كل الشرائع قُصِدَ بها مساعدةَ الإنسان على نَزعِ الُحجُبِ عن العقل ، عن الجزءِ السفلي الأقربَ إلى الغرائز ، لمساعدةِ الإنسان على نَزعِ تِلكَ الحُجب والارتقاءِ للمراتبِ العُليا ، وإن تَطوّر النفس وارتقائها ، هو ما هدفت إليه تِلك الشرائع ، والقاعدة التي وضعت لذلك التّطور هي خُطوةً واحدةً كل مَرة
شَرّعَ الأنبياء والحكماء للناس فروضَ العبادة ، ليوجهوا نظرَ الإنسان ووجدانهِ إلى وجودِ قوةٍ فوقه ، فإنه إذا اتجه إلى هذه القوةَ بِبَصرهِ وبصيرته ، حَولت اتجاههُ إلى آفاقِ السُّمو ، فارتقى وسما بَدَلَ أن يَنصَرِفَ إلى الصغائر ويصبح دَنيئاً ،… لذلك فإن التقوى والصلاة والعبادة فائدتها للإنسان نَفسُه ، إنها تَرفعُ الإنسان إلى مستويات تَقِرُ عينهُ بما فيها ، ويَرضى عن نَفسِه بالوصول إليها ، فيتخيّل أن الله نَزِلَ إليه واستجابَ لدُعاءه ، ورَضِي عن عبادته ، وليس في ذلك إلا قَلبٌ للأوضاع ، فالإنسان بالتُّقى ، يرتفع إلى حيث يصبح قادراً على ما يَعجز عنه قبل بلوغ ما بلغ من مرتبة ، وهو بذلك صاحبَ المنفعة في تَعبُّده ، ولا ينفع بعبادته إلا نفسه .
صوت الضمير
كلُ إنسانٍ يحسُ ( وإن تفاوت إحساس كل واحدٍ عن الآخر ) بوجودِ صوتٍ داخلي يتردّد في حَنايا نفسه ، إنهُ شيءٌ من المعرفةِ ظاهرَ الاستقلال عنِ القوةِ العاقِلة ، هذا الصوت يتحدّث إليهِ إما بلهجةِ الآمر أو بلهجةِ المستدرجِ الرّاجي ، إمّا يأمرهُ بأن يفعلَ شيئاً ما أو أن يمتَنِع عن فعلِ شيءٍ ما ، يدفعهُ حيناً إلى ما هو جيد من العملِ ، ويسكت حيناً عما لا يليقُ بهِ مِن سوءِ الأفِعال ، أو يحبّب إليه فِعلَ هذا السوء
هذا الصوت نَدعوهُ بالضميرُ إذا سما وارتفَع ، وإن هَوى إلى ما هو أسفل من أمور سمَيناه وسواساً ، يهتفُ الأولُ بالإنسانِ أن يعملَ خَيراً ، ويُوسوسُ له الآخر بِفعلِ السوء ، وبالإضافةِ لصوتِ الضمير والوسواس ، هناك القوة الثالثة التي تأتينا عندما نريد أن نحزم أمرنا ونَبُتَّ في أمر هام من شؤون حياتنا العادية ، هذه القوة الثالثة نُطلقُ عليها اسم الإلهام
هذه الركائز الثلاث ، تتمثلُ في الوحي أو صوتِ اللهِ في الأولى ، وصوتُ الإلهامِ والضميرِ في الثانية ، وصوتُ العقل والمنفعةِ في الثالثة ، … والمستويات نفسها يمثلها العقل الروحي ، القوة العاقلة ، والعقل الغريزي ، … فالصوتُ الذي كان يحفز إلى فعل الخير في الأولي هو نفس صوت الضمير الذي يُلهمنا الخصال الحميدة ، لقد كان هو نفسه الذي يدعو إلى أفعالٍ على المستوى الحيواني ، وإذا قِسناها بمقاييس هذا العصر فنقول أنها كانت سوءاً ، فإذا أحسست الوحش يتحركُ في طبقاتِ وَعيِك السُفلي ، ويريد أن ينطلقَ من الغياهبِ التي توارى فيها ما عَلاهُ من طبقاتِ التّطورِ نحوَ الكمال ، فلا تَفزَع ولا تَضطرب ، إنكَ إذ تُبصر به وتدرك أنه شيءٌ منفصلٌ عنك ، يريد أن يدفعك إلى فعلِ ما لا ترضاه وما تجد أنه لا يليقُ بك ، هذا وحده دليلُ الخيرِ والبشرى ، لقد كنتَ فيما مضى ذلك الوحش ، وأما اليوم فإنه جزءٌ منكَ فقط ، فقد أصبح متواريٍ فيك ، وعما قريب سيختفي من كيانك اختفاءً تاماً وإلى غير رجعة
إن أكثر الإلهام يهبط إلى العقل الواعي ، من العقل الروحي الذي لا يفكر فيما يريد ، بل يعرفهُ معرفةَ اليقين ، والعقل الروحي يعطينا دائماً ، خيرُ ما نحن مستعدونَ لقبولهِ ، حسبَ طاقتنا التي تتناسبُ دائماً مع ما بَلغنا من تَقدُّم ، والعقل الروحي يَسهرُ دائماً على خَيرنا ، يهدينا سواء السبيل ، ويهيئ لنا النصح والإرشاد حسب ما أرادنا خالِقنا له ، فالضمير يتصل بالخير والشر التي يبصر بهما العقل ، والإلهام يَتصل بما يجِب فعله فيما لا صلةَ لهُ بمبادئ الأخلاق ، الضمير يهدي للخير وينهي عن الشر ، والإلهام يسدّد خطوات الإنسان في طريق النجاح ،
الضميرُ يحدثنا عن مدى انطباق فعل ما على أسمى ما يرسمه علم الأخلاق ، في مرحلتنا هذه من مراحل التقدم ، والإلهام يُنبئنا بأحسن ما نَصنَعه لمصلحتنا في شؤون حياتنا ،
نور العقل الروحي يحاول باستمرار ، أن يَشُقَ طريقه في طبقات العقل ، فينفذ خلالها من أعلاها حتى يصل أدنى الطبقات ، ولكن نوره يكون خافتاً لأن كثافةَ الحُجُب المضروبةِ على هذه الطبقات ، تمنع وصول الضوءَ قوياً مُنيراً ، وكلّما نُزِعَ حِجاب ، زاد الضوء نوراً ، لا لأنه يقترب ، ولكن لأن مركز الوعي تَسقطُ عنه الحجُبُ التي بينه وبين الروح ، إنه كزهرة تَنحى أوراقها الخارجية وهي تَتَفتح ، فإذا فرضنا أن في قلب الزهرة ، جزءاً مُشِعاً يحاول أن يَنشُرَ نوره ، منعتهُ أوراق الزهرة المحيطة به قبل أن تتفتح ، وكلما هوى صَفٌ من الورق المحيط به ، زاد ظهور النور من داخل الصفوف الباقية .
إن كل ضمير يختلف عن غيره كثافةً وصفاء ، تِبعاً لِسُمكِ الحجُبِ وعددها وعدد ما تم التخلص به منها ، فمبلغَ صفاء النفس يعتمد على قِلةَ سمكِ الحاجز بينها وبين الروح مصدر النور .
لنعش أصدقاءً يوماً بيوم ، نعمل الخير بجُهدَ طاقتنا ، كلمةً طيبةً هنا وعملاً طيباً هناك ، نُعطي الغيرَ حَقّهُ كما نُريدُ أن يعطينا الغيرَ حقّنا ، لا نضطهدُ أحداً بل نحملُ للناسِ الحبّ والتسامُح والمواساة ، ولنعلم أن كلّ الخلقِ جزءٌ من الكلِّ الأعظم ، وأن كل منا يعملُ على شاكِلته ، وكل منا ميسرٌ لما خُلقَ له ، ليكنِ الرفقُ رائدنا والرفقُ بالناس جميعاً
الضمير هو رواسب التجاربِ والخبراتِ الغابرة ، وما وصلنا إليه من تَقَدُّم بفضلها ، مضافاً إليها ما اكتسبناهُ نحن بفضلَ ما يَنفذُ إلى عقولنا من نورِ الروح ، من خلال الحجب التي لم نتوصل بعدُ إلى رَفعِها
كلما ارتفع الإنسان على سفحِ المرتقى ، وكلما سقطَ حجابٌ من حُجُبِ الروح ، بَدَت له المُثُلٌ تلو المُثُل ، كل مَثلٍ أرفعُ من سابقِتها وأدنى إلى الكمال ، حتى إذا بلغ الإنسان القمّةَ العظمى ، وجد نور شمس الروح تُشرِق ، يكادُ ضوءها يذهبُ بالأبصار
إن وراء الضمير قوةً معصومةً عن الخطأ ، قوةُ الله الخالقِ وقدرَته ، وإذا كان الضمير دائماً يَسمو على عقلِ الإنسان درجةً أو درجتين ، فإن القانونَ دائماً متخلفٌ عنه خطوةً أو خطوتين ، فالقانون نتيجةً لمتوسطِ قوةِ عَقلِ الشعبِ مُصطَبِغاً بمتوسطِ ضَميره ، والقانون في مجموعهِ حلٌ وَسَط ، وُضِعَ لِيكفلَ أقصى الخيرِ لأكبرِ عَدَد
الأخلاق والمثل العليا
إنّ الشّعبَ لا يوضَعُ على أعناقه نيرٌ إلا إذا طأطأ أعناقهُ لذلكَ النير
اتركوا الناس وقوانينهم ومُثُلُهم العُليا في الأخلاق ، وما يرتاحون لهُ من عادات ، فيتركوا اليوم ما تمسّكوا به بالأمس ، اتركوهم يحكموا على مخالِفيهم بما يَشاءون ، فإنهم لا يستطيعون إلا أن يفعلوا ، وكلٌ مُيسّرٌ لما خُلِقَ لَه ، ولكن لا تَفعلوا فِعلَهُم ، لا تَدينوا مُخطِئاً ، فإن التّطورَ لا بدّ له من أن يأخذَ مجراه ، المخطئُ والمحسنُ كِلاهما لا غنىً عنه ، ولا مفرّ من وجوده ، وكل عملٍ فيه خطوةً من خطواتِ التطور ، وليست خطوةً بذاتها صواباً أو خطأ ، فكل ما خَلا الله باطل ، كل ما عدا الشعور بأبوة الله للبَشَر ، وبأخوّةِ الإنسانِ للإنسان باطِل ، كلُ ما عدا الشعور بالوحدة الشاملةِ باطل ، ولا استقرارَ ولا سَلامَ معَ وجودِ باطل ، قَفوا جانباً وانظروا الأطفالَ يَلعبون ، إنما الحياة لهوٌ ولُعب …
تمسّك بخير ما تعتقدُ أنّه الخير ، وعليك في تمسُّكِكَ هذا ، أن تعلم أن هذا الخيرَ إنما هو خطوةٌ للأمام ، خيرُ خُطوة ، ولا تَلُم من يعمل ما تَراهُ شَراً ، فقد يكون ذلك الذي تَراهُ شَراً ، هو أجملُ الخيرِ في نَظَره ، طِبقاً لما بلغَ من مستوىً ، ولا تهزأ بقانونٍ من قوانينِ الناس ، مهما بَدا لكَ من خَطئه وسوءِ نتائجه ، فهوَ خطوةً على ما فيهِ من نَقص ، وهو درجةً من درجاتِ السُلّم ، وخيرُ ما يناسبُ أغلبيةَ الناسِ في حالتهِم هذه وزمنِهِم هذا ، واذكر دائماً أنّ الكمالَ للهِ وحده ، وأن الجنسَ البشريَ يسيرُ نحوَ الكمال ، يقطعُ مراحلَ الفهمِ ، فالوعيِ ، ثمَّ الاتحادَ بذلكَ الواحدَ المطلَق ، وأنكَ في تَقدُّمِك خلالَ هذه المراحلِ الثّلاث ، يجبُ أن تَعلَم أنكَ كالصخرةِ التي تتلاطم عليها أمواجَ البحر ، تَضرِبها بعنفٌ وشِدة ، ولكن لا تَعباً لها ، فلن تنالَ منها شيئاً ، اللهُّم إلا أن تُطهِّركَ وتغسلُ عنكَ وِزرَك ، فإذا انحسَرَت عَنك ، بَقيتَ ثابِتاً في مكانِك
أعلم أن الشر أو الباطل نسبيٌ مُقَيَّد ، فهو ناتجٌ عن فهمٍ لصورةٍ من صورِ الخيرِ ، في مُستوىً مُنخفِضٍ بالنسبة لمن بلغَ مستوىً أرفع ، وأن العمل الواحدَ يبدو خيراً لمن يعيشُ في مستوىً أقلّ من المستوى الذي عليهِ ذلك العمل ، بينما يرى أهلُ المستويات العليا أنه شَر ، فليس في الدنيا شرٌ أو سوءٌ مُطلَق ، إنما الشرُ هو بقدرِ البُعدِ عن الخير والحقِ في كلّ الأخوال أبلج.
يجب أن يعيشَ الإنسان ، كأحسنِ ما وصل إليه علمُهُ ووعيُه ، سواءً كان ذلك عن طريق الوحيِ السماوي ، أو الإلهام والضمير والعَقل ، والواقع أن هذه الثلاثةُ لها في كل إنسانٍ أثراً ما ، وأن الدرجة التي بَلغَها من الوعي ، تشتركُ في تحديدها هذه الثلاثةَ مجُتمعة ، فإذا إختلف على الإنسانِ أيُّ السُبلِ يَسلُك ، وأيُّ الأفعالِ أقربَ إلى الصوابِ والحق ، لجأ إلى ضوءِ روحه فاستهداهُ الطريقَ واستلهمهُ الصّواب ، وذلك الضوءُ يتضحُ له الطريقَ المستقيمَ فيتَبَعه .
لا مُعايرةَ ولا نَقدَ ولا إدانةَ لِمَن لم يبلغ ما بلغنا مِن مُستوى ، فإنه وإن لم يَنظر إلى الأمور بِنظرَتِك ، ولم يَقِف منها مَوقِفك ، فَلعلّه يلتزمُ اتِّباعَ أحسنَ ما تهديهِ إليهِ نَفسُه ، أكثرَ مما تلتزمُ أنتَ اتِّباعَ أحسنَ ما تأمركَ بهِ نَفسَك ، فكيفَ تجرؤُ على أن تُدينَه ؟؟ وهذه نظرةٌ اكثرَ إنسانيةً من نظرةِ علم الاجتماع الحديث ، الذي يَعتبرُ المجرمين مَرضى ، فَهم ليسوا بمرضى ، بل إنهم إخوةٌ صغارٌ في الروح
روحُ الإنسانِ في تطورٍ لا سكونَ فيه ولا تَوقف ، إنها تتحرك صُعُوداً من مستوىً إلى آخر ، ومن طبقةٍ إلى أخرى ، من حيثُ الاعتقاد بالانفصالِ والانفراد ، إلى العلمِ بالاتحاد والوِحدة ، إنّ التّقدُم هو هدفُ الحياة وسُنّة الخالِق ، فإن صَحَّ هذا ، وضَحَ أن كل ما يدفع الإنسان إلى الأمام نحوَ الهَدف ، صالحٌ وخيرٌ وحَق ، وكذلك يتضح أن كل ما يعيقُ التقدمَ أو يؤخره ، أو يعود بالإنسان إلى الوراء ، سوءٌ وشرٌ وخطأ .
واصِلوا السعيَ والدأبَ وعيشوا أقربَ ما تكونونَ لما تعتقدونَهُ حقاً وخيراً ، مهما لقيتُم في ذلك السبيلِ من مَشَقة ، وارجعوا إلى ما سبقَ ذِكرُه : ابحثوا في القلب عن مَصدرِ الشّرِ واستأصلوه ، وكونوا مُروّضينَ للوحوشِ الرابضة في حنايا طبيعتِكم ، وتعلّموا تطهير تلك الطبيعة من مخلّفاتِ الماضي باستمرار ، وشدوا وثاق الغرائزِ الحيوانية الكامنةِ في داخلكم …
أعملوا على رفع الحجُبِ عن الروح ، حِجاباً بعد حِجاب ، واذكروا ما جاءكم : اسجدوا في خشوعٍ لذلكَ النجمُ الذي يُضيءُ في داخلكم ، تَرونَهُ ضوءاً خافتاً بعيداً أولَ الأمر ، فكلما طالَ السُّجود وزادَ الخشوع ، ازدادَ النجمُ لمعاناً وازدادت قوةَ ضوءه ، عند ذلك تعلمونَ أنكم اهتَدَيتُم إلى بدايةِ الطريق ، حتى إذا وصَلتُم إلى آخِره ، تحوّل نورهُ فجأةً إلى النورِ اللانهائي ، نورُ السماواتِ والأرض ، وليكن السّلام مَعكُم …
_يتبع_

Admin
Admin

عدد المساهمات : 3151
تاريخ التسجيل : 05/03/2012

https://alhoriyatmaroc.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

دليل الحياة الروحية المثلى Empty المظاهر الكونية والروحية

مُساهمة  Admin الخميس ديسمبر 25, 2014 1:26 pm

لغز الكون …
كل الوجود الظاهر والباطن ، فيضٌ للواحد الذي لا ثانيَ له ، هذا الواحد أصلَ الوجود ، أطلِقَ عليه الكثيرُ من الأسماء ، ونجد أحسَنها الروحُ أو المطلق ، ونقصد بالمطلق ، الغير المقيد بشروط والمنزّه عن الحدود والتامُ بِنَفسِه والغنيُ عن السَند ، إنه من غير الممكن وضعَ الوصفِ الصحيح لكلمة المطلق ، إذ لو استطعنا وصفهُ لأدركناه ، وهذا مُستحيل ، فالكلمةُ ما هي إلا محاولةً من العقل لِنقل ما يتصوّره إلى إدراكِ عقلِ آخر ، ولما كان العقلُ في حالتهِ الراهنةِ نِسبياً ، أي مُقيداً ومحدوداً ، فمن من المستحيل أن يدركَ الُمطلَق ، وكل ما يستطيعهُ أن يرسمَ صورةً لحدودهِ هو وقيوده هوَ ، ثم يقول أن المطلقَ هو ما عدا هذه الصورة ، فلا يدركُ المطلقَ إلا المطلقَ نفسُه ،
صحيحٌ أن أول خيط الضوء لا تَظهَر إلا نتيجة للإيمانِ المطلق في أول الأمر ، وصحيحٌ كذلك أن المعرفة للعلم الدُنيَوي ، دائماً وليدةَ الإلهام لا نتيجةً فحصِ العقلِ ومحاولاته ، لكنَ الواقعَ أن القوةَ العاقلةَ والوعيَ الروحي أو الإلهام ، ما هما إلا نِتاجَ العقلِ على مُستويينِ مختلفين ، إنهما شقيقانِ يسيرانِ يَداً بيدٍ إذا سمحنا لهما بالتّعاون والعَمل كلٌ في محيطهِ ودائرةِ اختصاصه ، ولم نُكبّل أحدَهما بقيودِ التعصُّبِ والتّحيز ، لنترُكهما يتعاونان بالنصيحةِ ويتبادل المعونة ، ذلك خيرٌ من أن يقف كلٌّ منهما من الآخرِ موقفَ الندية .
إن العقل يَرضى بالحقائقِ التالية :
1. هناكَ قوةٌ مُطلَقة
2. كلُّ مطلقٍ هو هذه القوة ، ولا يمكن أن يكونَ هناكَ قوّتان ، وكلُّ ما ظَهَرَ في الوجود فهو من هذهِ القوةِ أو بها أو فيها .
3. كلُّ ما كانَ وكل ما هو كائن ، وكل ما سيكون هو من هذه القوة ، إنها الكلُّ الآن ، وهي كل ما كان وكل ما سيكون ، وأن الكل هو الكل ، ولا شيء خارِجَ عنه ، وأن لا بداية له ، فلم يكن قبلهُ شيء ، وأن لا نهايةَ له ، فلا يبقى بعدهُ شيء .
4. هذه القوة في كل مكانٍ في وقت واحد ، وهذه حقيقةً واضحة ، إذ لا يمكن أن يخلو مكاناً من الكُل ، فالمكان جزءٌ من الكل ، كما أن الزمان جزءٌ من الكل أو هوَ الكل ، فلا يمكن أن يوجد مكانٍ خال ، فالخلاء أو العدم لا يمكن تَصَورهُ بالعقل
5. هذه القوةُ غير محدودة ، لا تعجز عن أي فِعل ، ولا يحدث فعلٌ إلا بها، فهي مصدرَ القِوى جميعاً
6. هذه القوةُ هي العلمُ بكلِّ شيء ، لا علمٌ إلا بها ومِنها
7. هذه القوةُ لا حَدَّود لها
8. هذه القوة لا أولَ ولا نهاية لها
9. هذه القوة لا تَتَجزأ ولا تَنقسِم
10. هذه القوةُ لا تَتَحوّل ولا تتغير
11. كل شيءٍ من هذه القوةَ منتسبٌ إليها ، وإلا فلا وجودَ له
هذه كلّها حقائق لا يمكن أن يَتّصِفُ بها شيء في الوجود ، ولكن هي صفاتَ حقٍيقية لأصلِ هذا الوجود
المظاهِر والنِّسبياتِ الثَلاث العُظمى
يَستحيلُ على العقلِ العادي أن يرى أو يتصور المطلقَ في ذاته ، ولكنّ مظاهرَ هذا المطلق تَبدو للعينِ واضحة ، وقد يَستَرقُ العقلَ الروحيَ نَظرةً نحوَ هذا المطلق ، حين تَصفو الروح ويتسنى للأشعة العليا النفوذ خلالها .
الإنسان كما يَبدو لنفسهِ الآن ، فيهِ الُمطلَق وفيهِ الُمقَيّد ، على شكل عُنصرين المادي والروحي ، فالروحُ مِنَ المطلق ، وحولها النسبيُ ممثلاً بالجسمِ وبالقوةِ وبالعقل … فالروح ، والجسم أو المادة ، والطاقة أو القدرة ، وجوهر العقل موجودةً في كل شيء
المظاهرُ الثلاثةُ التي يتجلى فيها الحقُ أو الروح ، كما يُدركها عقل الإنسان هي : المادة ، الطاقة ، العقل ، وهذه الثلاثة يعترف بها العلماء ، وإن حاوَلَ بعضهم التشكيك في القوةِ الثالثة ، …بينما العقل الروحي يعتبرها ليست ثلاثةَ أشياء ، إنما هي ثلاثةَ مظاهرٍ لشيءٍ واحد ، إذ يَرَونَ أن المادة ما هي إلا طاقةٍ كثيفة ، وكذلك الطاقة ما هي إلا عقلٌ كثيف ، وأن العقل في أعلى درجات صَفَائه ، يقتربُ كيانه من كيانِ الروح التي انبثق عنها .
المادة :
المادةُ كلمةٌ يستعملها العلماء ، للتعبيرِ عن كل ما صُنعتِ الأشياء منه ، وهي منتشرةٌ في المكان ، وليس في المكان من خلاءَ غيرَ مشغولٍ بها ، والمادة صَلبةٌ وسائلٌة وغازية ، لا ثبات لها على حال ، والمادة هي كما هي ، بالحرارةِ تختلفُ صورتها ، كالصخر يتحول إلى رماد ، والجليد يتحوّل إلى ماء ، والهواءُ إلى سائل ، ويتحوّل الرماد إلى غذاءٍ للنبات ، وإلى مادة الحياة فيه ، وهكذا ترى أن ما كان جُزءاً من الصخرِ أصبح جُزءاً من النبات ، ويتحوّل النبات إلى غذاءٍ للإنسان حتى يصل إلى ذراتِ الُدماغ ، وبهذا يَنتقِل الصخرُ إلى أرقى ما في الوجود ( إلى عَقلَ الإنسان ) ، وفي هذه العملية المعقدة ، تتحول المادة من حالةٍ إلى حالة ، دونَ أن تتغير ذرةً واحدةً من عناصرها ، أو تَبادَ أو تَفنى ، وتخرجُ المادة من جسم الإنسان في أغلظ صِورها ، ( غاز ثاني أكسيد الكربون ) الخارج مع الزفير عَبرَ الرئتين ، لتعودَ إلى الهواء ليمتصّها ورقُ الشجر ، كغِذاءً للنبات ، فتصلُ إلى جذورِ الشجرِ التي تتحوّل مع الزّمن إلى فَحم حَجري …
المادة وتسلسلَ التّغيراتِ فيها ، ما هي كلها سوى مظهراً لعنصرٍ أصلي لا وجود لغيره ، وإن العناصرَ المختلفةَ التي تتحدثُ عنها الكيمياء ، ما هي إلا مظهراً لذلك العُنصرِ الواحد ، فالمادةُ تتركبُ من ذراتٍ غير قابلةٍ للانقسام ، وهذه الذّرات هي أصل الوجود ، وربما اجتمعت الطاقة وقوة العقلِ في مصدرٍ واحد ، هو القوةُ المطلقة ، وهذا مدركٌ منذُ زمنٍ بعيد .
المادةَ والطاقة :
المادة تتألفُ من ذراتٍ غير قابلةٍ للانقسام ، والمادة في أرقى حالاتها تذوب وتنتهي إلى الطاقة ، والمادة ما هي إلا طاقةٍ غيرُ صافيةٍ صفاءَ الطاقة ، أي أنها طاقةً أقلّ صفاءً من الطاقةِ البَحت
المادة والطاقةَ شيءٌ واحد ، والطاقةَ في أشكالها الأكثر صفاءً ، تذوبُ وتنتهي إلى العقل ، أما العقل ، فربما لا يكون أحدٌ قد توصّلَ إلى فهمِ شيءٍ عنه ، حتى في المستقبل ، اللهم إلا إذا فُهِمَ على أنهُ مظهرٌ من مظاهرِ الُمطلَق ، يَعلو مستوى القوةَ أو الطاقةَ بقدرِ ما تَعلو الطاقةَ بمستواها عن المادة
العقل والقوة والمادة ، ثلاثُ صورٍ أو ثلاثةُ أشكالٍ لمظهرٍ واحد ، ووراءهما جميعاً المطلق أو الخالِق
يرى العلمُ أن المادةَ تشغلَ الفضاء والمكان إلى ما لا نهاية ( بما في ذلك الأثير ، فهو مادةُ أيضاً ) وأن المادة لا تتغير ولا تَفنى ، وأنها غيرَ قابلةٍ للزيادة أو النُقصان ، وأنها وُجِدَت منذُ الأزل ، إذ لا يُعقل أن تكون وجِدَت مِن لا شيء ، وإنها ستبقى ، إذ لا يمكن أن يصبحَ شيءٌ لا شيء ، وهكذا نرى أن العِلمَ اتخذَ من المادةِ إلهاً ، إذ نَسَبَ إليها صِفاتِ الُمطلق ، القائِم بذاتهِ الذي لا أوّلَ لهُ ولا آخِر ، بَدلَ أن يَضعها في مكانها ، ويَعلَم أنهّا مظهرٌ فقط للقوة ، فلا يُنسِب إليها ما ليسَ لها ، كما أن القوةَ أو الطاقةَ مظهرٌ للعقل ، وكما أنّ العقلَ مظهرٌ للمطلق .
بالفكر الروحي يقررون أن المادةَ بنفسِها لا وجودَ لها ، وما هي إلا حالةً من حالاتِ القوة ، انبعَثَت من الطاقة التي انبعَثَت من العقل ، والعقلُ هو مظهرٌ لقدرةٍ اللهِ المطلق ،
قالَ بعضَ العلماء أن المادة هي الكل ، ولا شيء قبلها ، وأن الطاقةَ والعقل آثار لها ، وقال آخرون أن الطاقة هي الكل ، وأن المادة منها والعقل من آثارها ، وقال الفلاسفة أن العقل هو المطلق ، وأن المادة والطاقة مظهرٌ كالسرابِ لا حقيقة لهما ، واتّبَعَهُم بعضُ من يخلِطونَ الدين والطبيعةِ وما ورائِهِما .
أما الفكر الروح يقبل هذه النظريات جميعها ، على أن في كلٍ منها شيئاً من الحقيقة ، ولكن وراء هذه المظاهر كلها ، التي وصِفَت بأنها الأصل الخالق ، حقيقة واحدة وإلهاً واحداً هو عِلّة هذه كلها ، وما هي إلا مظاهرٌ لقدرتهِ وقوته ، ولا تُعارضُ أحداً في هذه الآراء ، إنما تُوفّقُ وتجمعُ بينها ، وتقررُ أن كل شيءٍ يتفرعُ من الواحدِ المبدع ، الذي يعلو كل شيء ، ومنه كل شيء .
الأرواح التي تسبح بعد أن فارقتِ الأجساد ، لها أجسامٌ دقيقةٌ لا تُرى ولا تُحَس ، كذلك الأرواح التي في عالم أعلى من عالمنا هذا ، لها أجسامٌ من المادة في شكلٍ من أشكالها الرقيقة ، ومن المادة الرقيقة ما ينتشر في أجسامِنا ، فيمسكُ بعضها ببعضٍ كي لا تتساقطَ أو تتناثر . والمادة بصورةٍ من صورها الدقيقة ضروريةٌ للطاقةِ أو القوة ، تعمل عَملها بواسطتها ومن خلالها ، والعقل كذلك لكي يؤدي وظيفته ، لا بد له من مادة ، كالأثير ينقلُ عمله خلالها ويظهر أثره فيها ،
الله الخالق الأعظم هو فينا ومعنا هُنا دائماً ، إنه فينا وفي جميع الآخرين ، وأنكم من الضرورةِ لهُ بنفس مدى ضرورتهِ لكم ، لأنكم جزء من فِكرَتهِ ومَشيئته ، تَعلّموا أن الحياة في كل شيءٍ واحدة ، وافتحوا قلوبكم لفيضِ الحب الإلهي ، والحكمةِ العلوية ، وكونوا راغبين في النُمو والتَقدّم والازدهِار .
أدرُسوا الأشياء القريبةَ مِنكم ، تجدوا مفتاح الأشياءِ البعيدة ، ليس في العلمِ كبيرٌ ولا صغير ، آمِنوا وتشجعوا وامتلئوا أملاً ، وأكثرَ من هذا كلّه ، اتجهوا إلى الحبّ والإحسان …
القوة أو الطاقة
القوة أو الطاقة هي من خواص الطبيعة ، ويمكن تعريفُها بأنها قوةَ المقاومةِ أو التّغلبِ على المقاومة أو ما يُسّبب الحركة ، فالقطعة الحلزونية من الحديد الصُلب ، إذا ضُغطَت كانت فيها قوةٌ تَعملُ عَملاً يؤدي إلى عودتها إلى وضعِها الأصلي .
إنّ كل تحولٍ طبيعي وكل عملية كيماوية ، يَصحَبها تغيير في الذرات التي تُكِّون المادة ، وكل أنواعِ القوة ، كالكهرباء والمغناطيسية والحرارةِ وقوة الأعصاب ، وأنواع الحركة التي تُصاحب تغيير مراكز الذرات بالنسبة لبعضها ، كل هذا فيه طاقة ، أو فيهِ مظهرٌ من مظاهرها ، فالطاقة مهما تحوّلَت من صورةٍ إلى صورة ، فإن كميّتها لا تزيدُ ولا تَنقص ، وكما أن الطاقة لا تَفنى ، فإن المادة لا تَفنى .
الطاقة هي التي تتحكم في صورة المادة ، وتسبب التّغَيرّات التي تَطرأ عليها .
المصباح الكهربائي يُظهرُ نوراً ناشئاً عن مرور تيارٍ كهربائي ، في خيطٍ من الكربون يقاوم مرور الكهرباء ، وهذه المقاومة تُسبّبُ تَحوّل طاقة الكهرباء إلى حرارةٍ ونور ، والطاقة الكهربية يُولّدها دينامو طاقته تولّدها آلة بخارية تَستمِد قوتها من البخار ( سابقاًَ ) ، لتتحولَ إلى حركة ، والبخار يَتَولّد من تمَدّد الماء بفعل الحرارة ، والحرارة مُستمدةٌ من الفحم الذي يَولّدها احتراقه ، وقوةُ الفحم مستمدةٌ من طاقة الشّمس ، التي أودِعَت في الأشجارِ التي تَكَوَّنَ الفحمُ مِنها ، والشمس قوَّتها مستمدةٌ من قُدرةِ الله …
المادة أو جميع الأشكال التي تَتَشكل بها في حركة دائبة ، فلا سُكونٌ في عالمِ المادة ، وما يبدو ساكناً اي من الأشياء ، إنما هو أمر نِسبيٌ فقط ، الحرارة والضوءُ ما هما إلا حَركَتان ، مَظهرانِ للطاقة
الشموس والعَوالم تَتَحرك مُندفعةً في الفضاء ، وذراتها في حركةٍ دائمة وتحولٍ مُستَمر ، والتّفاعُل الكيماوي بين المواد دائمٌ لا ينقطع ، والتركيبُ والتحليلُ والبناءُ والهدم ، ما هي إلا حوادثَ في الحياة ، حياةِ الخلايا وحياةِ الذّرات ، فلا استقرار في الطّبيعة ، إنها عملٌ دائمٌ ينُتجُ شيئاً بانضمامِ خلايا أو ذراتٍ إلى بعضها طِبقاً لقانونٍ مُعين ولمعادلات معينة ، ولكن لا خَلقَ لأي شيء جديد ، إذ لا يمكن أن يوجدَ شيءٌ من لا شيء ، فالمادةُ صورةٌ غليظةٌ للطاقة ، وإنها منبثقةٌ عنها ، والطاقةُ صورةٌ غليظةٌ للعَقل ، وأن القُدرةَ الإلهية تُخرِجها من العَقل ، كما تَستطيعُ أن تَستَرِدّها بِنفسِ الوسيلة .
موقفُ العقلِ من الطاقةِ كموقفُ الموجبِ من السّالب ، ومعلومٌ أن الموجبَ له الإشرافُ دائماً على السالب والتّحكُمَ فيه ، فبالإرادةِ يمكنُ أن يَتسلّطَ العقلُ على القوةِ إذا عَرِفَ الطريق ، وعِلمٌ أو فَنِّ التّحكُمِ في القوةِ الحيوية من خلال العقلِ والإرادة ، هو خالص بما يَتمتّع به الذين تَقدّموا بالروح في الشرقِ والغرب ، هو الذي يَتميزّ به الأقطابُ والمعلمون ، ويجعلُ العالمَ يَعرفهم ويَعرِف فَضلَهم ، ولكنّ قواعدَ هذا العلمِ الكُبرى وأسراره ، يَحتفظُ بها قليلون بحرصٍ شديد خِشية إساءة استعمالها ، ومع ذلك فإن قسماً من هذه الأسرار ، قد أصبح الآن بمقدور كل من يجدُ في نفسه روحُ المثابرةِ للنّمو الروحي ، أن يُطبّق ما يَتيسّر له من هذا العلمِ على العمل ، وأن يَستخدمَ مَقدرتهُ للتّحكمِ في القوةِ الحيوية بعقلهِ وإرادته .
العقل :
وهو ثالثُ المظاهرِ العُظمى للنّسبية ،
هناك حقيقةٍ واحدةٍ مُطلَقة ، وأن هذه الحقيقةُ تَتَجلى في ثلاثةِ مظاهرٍ هي المادةَ والطاقةَ والعقلُ أو القوةِ المفكرة ، والقوة المفكرة هي جوهرٌ لَطيف ، لا قِوامَ له كالمادة ، هذه المظاهر الثلاث ، ما هي إلا ثلاثُ صورٍ لقوةٍ واحدة ، تَتَطور منَ العقلِ الجوهرِ اللّطيف ، إلى صورةٍ تَليهِ لطافةً وتَقِلُ عَنه ، وهيَ الطاقة ، وهذهِ تتطور إلى شكلٍ أقلّ لطافةً وأكثف كياناً أو قواماً ، وهي المادة ، وتَتَماوجُ الثلاثة في بَعضِها وتتحول الواحدةَ إلى الأخرى ، وهذه الخواص الثلاث تَنبثقُ عن الواحِد ، ثم تَعودُ إليه ، والروح ، هي تلك القوةَ الإلهيةَ المستقلّة عن مظاهرَ الكونِ الثلاثة لتشكل جوهر معادلة التكوين نفسها ، أما المذهب العلمي فليس لديه ما يقولهُ حيالها ، فهو يرى المادةَ شيئاً طبيعياً وينكر على الأشياء أن يكون فيها عنصرٌ روحي
العقل والروح :
العقل يُقصدُ به الإدراك ، وهو المادةَ التي تُدرِك ، فجوهر العقل موجودٌة في كل مكانٍ في هذا الكَون ، وأن كميّتها ثابتةٌ لا تَزيدُ ولا تَنقص ولا تتغير، وإن كانت كالمادةِ والطاقة ، تَظهرُ في مظاهرَ مُتعدِدة ، نتيجةَ وجودِ مُركباتٍ جديدةٍ بِنسبٍ مختلفةٍ منه ، وأنّ جوهرَ العقلِ هو أوّلُ مظاهرَ الُمطلَق ومنه تَكوّنَت الطاقة ومن الطاقة تكوّنَت المادة
جوهرُ العقلِ يتشابهُ معَ الطاقة ، وهو بالنسبةِ إلى الطاقةِ كالطاقةِ بالنسبةِ إلى المادة ، ففي الأطوارٍ العليا ، تكادُ صفةُ المادة أن تكون من مميزات الطاقة ، فمثلاً المغناطيسية أو الكهرباء ، تجدُ أن المادة والطاقة تَتّحدانِ اتحاداً يثيرُ الاهتمام ، حتى تبدوَ الطاقةُ وكأنها شيءٌ يحتاج إلى سكين ليمكن قطعه ـ أي أنه صلب ـ ، وكذلكَ نجدُ الكهرباءَ في صِورها اللطيفةِ العليا ، ذاتَ طاقةٍ ومقدرةٍ توحي للإنسانِ أنها تَكادُ أن تَعقِل ، لِشِدةِ ما تقتربُ من الحدّ الفاصلِ بين الطاقةِ والعَقل ،
إن عِلم الطبيعةِ سيكتشفُ أنواعاً أخرى من الطاقةِ تقدِّمُ أمثلةً جديدةً من أمثلةِ التفكيرِ أو العَملِ الُمتَعَقّل ، من أي شيءٍ معروف ، وسَتُسبّبُ الاختراعاتُ التي ستأتي في أعقابِ اكتشافِ الراديوم ، تطوراً في محيطِ الطبيعةِ يَهِزُّ الإنسان هزاً ، فإن العلمَ يكادُ يقفُ على الحدّ الفاصِلِ بينَ المادةِ والعقل ، سَيُنظَرُ إليهما قريباَ ، على أنهمُا شيءٌ واحد ، والطاقةُ كمركزٍ وسيط بينهما
يجب أن نُسَلّم بوجودِ جوهرِ العقلِ كما نَسَلِّمُ بوجودِ الطاقةِ والمادةِ في الأساسِ النظري ، لأن هذهِ المظاهرِ الثلاثة ، لا يمكن أن تُعرَف إلا عن طريقِ آثارِها الظاهرية ، فالأثيرُ وهو أعلى أشكالِ المادة ، لا تُدركهُ الحواسُ عندَ الإنسان ، إلا إذا تألّفَت من ذَراتهِ الأجسامَ الصلبةَ أو السائلةَ أو الغازية ، كذلك الطاقةُ المجرَّدة ، لا سبيلَ إلى إظهارِها لعقلِ الإنسان ، إلا إذا ظَهرت آثارها عن طريقِ المادةِ في صورةِ الحركةِ أو القوة ، وهكذا جوهرُ العقل ، لا سبيلَ إلى معرفتهِ إلا على أنّه أفكارٌ أو قوةَ للفكر
المادة هي الشيءُ الذي تَتَّشحُ بهِ النفسُ لتظهرَ به ، والطاقةُ هي الشيء الذي تَستعملهُ النَّفس لتعملَ بواسطته ، وجوهرُ العقلِ هو أداةَ النفسِ التي تُفكِّرُ بها
فجوهرُ العقلِ هو الشيءُ الذي تتولدُ منهُ الطاقةِ التي تَتَسبّب في حركةِ المادة
العقل الروحي يقول :
أنّ ذرةَ المادةِ هي دوامةٌ صغيرةٌ من الأثيرِ في الأثير ، تتكون من فعلِ الطاقةِ في الأثير ، ولّما كان الأثيرُ مُجرّداً من الاحتكاك ، فإنَ حلقةَ الدوامةِ لا تفقِد شيئاً من قوتها ، وبذلك تُصبح حركتها دائمة ، وإن كانَ دواماً غيرُ أبديٍ بالنسبةِ لدوامِ الُمطلَق ، وهي تتمتعُ بكلِ ما يُنسَبُ للمادةِ من خواص ، في الطولِ والعرضِ والارتفاعِ والكميةِ والمرونةٍ والجاذبيةٍ والحيِّزِ والتَّمدُد …الخ ، كما أنّ لها حركتُها الداخلية ( الذبذبة ) ، هذه الدوامات أو الحلقات تختلفُ في أحجامها وسرعة ذبذباتها ، وهذه الحقيقةُ هي السببُ في وجودِ الأنواعِ المختلفةِ من الذّراتِ التي حَيرّت العلم ، وهي تُلقي ضوءاً على العناصرِ السبعين من عناصرِ المادةِ التي فَرضَت نفسها على عُلماء الطبيعة ، وأنه لَمِنَ المستطاعِ أن نرى بوضوح ، أنه إذا أمكنَ تغييرُ سرعةِ ذبذباتِ هذه الدوامات ، تَحَققَ حُلمَ الكيميائيينَ القُدامى بتحويلِ مادةٍ إلى مادة ، وأمكنَ تحويلُ الرصاصِ إلى ذَهب ،
العقل الروحي يقول بأن مادةَ العقل ، تَعرفُ نَقسها وتُظهرُ معرفتِها لنفسِها بالفكر ، وهذا الفكرُ حركةً في جوهرِ العقل ، والحركةُ كما نَعلم ، مَظهرٌ من مَظاهرِ العقلَ ومُنبثقةً عنه ، وهذه الحركةُ تنتقلُ إلى الأثير ، فينشأ من ذلك حركةَ الحلقةِ الُمفرغة ، وهكذا تنشأ الذرّةَ أصلِ المادة ، وفيها العقلُ والطاقةُ والحركة .
إن الأثيرَ بعد أن ينبثق عن جوهرِ العقلِ بفعلِ الطاقة ، بكونُ فيهِ صفاتِ من سبقوه بالوراثةِ التي يملكُ حقَّ استعمالها ، ولذلك فهو يُفكرُ في الحركة ، والحركةُ توجِدُ حلقةَ الذرةِ لتتمكنَ من الظُهور ، لتجعلَ المادةَ حائزةً على العقلِ والقدرةِ على الحركة ، ، فالمادةُ كما نُدركها بحواسِّنا ، هي نتيجةَ الفِكر ، والفِكرُ هو العقلُ في حالةِ العمل ، والعملُ وليدُ الطاقة ، والطاقةُ ثمرةَ جوهرِ العقل ، إذن فإن المادةَ في الحقيقة ، هي العقل … والعقلُ هو كلُّ شيء ، فكل شيء في الدُنيا أصلهُ الفكر ، فالمادةُ والعقلُ كِليهِما مخلوقان ، وإنهما مظهرانِ للمُطلَق الذي لا وجودَ لغيرهِ إلا به ، وعندما يصلُ الباحثُ إلى درجةٍ عُليا من النُمو الروحي ، يجدُ نفسهُ عارفاً بغير جهدٍ عقليٍ يبذلهُ في سبيلِ هذهِ المعرفة ، هذه المعرفة لا يستطيع أن يُدركَ كُنهها، من يعيشونَ في محيطِ القوةِ العاقلةِ العادية ، ولكن الذين أشرَقَت أنوار الروحِ عليهِم ، يعلمون أنها نوعٌ من الإدراك أسمى من إدراكِ العقل ، إنها تَفوقهُ ولكن لا تَتَعارضَ معه ، وكثيرٌ مما بدأ العقل الغربي يدركهُ الآن ، شيءٌ مقررٌ لدى أصحابِ الوعيِ الروحيِ منذُ أمدٍ بعيد
إنّ عقلَ الإنسانِ أو قوتهِ العاقِلة ، لَفيها أسرارُ الكونِ كُلِّها …
العقلَ يدركُ نَفسهُ وما يليهِ من طاقةٍ ومادة ، أما ما يحيطُ به ويسمو عليه ، فإن معرفتهُ وإدراكهُ يقفانِ عندَ الُمطلَق ، لكن الروح ، ذلكَ المبدأ الإلهي ، ذلكَ النورُ الذي يُشرقُ على العقل ، والنفسُ الحقيقيةُ العليا ، فإنها تعلمُ أنها تعرفُ الُمطلَق وما لديه ، وعندما تنحسرُ عن الإنسانٍ الحجُبَ جميعها ، بما فيها العقل الروحيُ نفسُه ، وحين لا يبقى من الإنسانِ إلا روحه ، عندها يُدركُ الإنسانُ بقوّتها كلّ شيء ، حيث لم يعد إنساناً ، إذ يُصبحُ روحاً عادَت إلى خالقها .
مادةُ الُدماغ ـ المخ ـ ما هي إلا الأجهزةَ الماديةَ التي يستعملها جوهرُ العقل ليظهرَ عن طريقها . أما جوهر العقل فهو نوعٌ رفيعٌ من الطاقة ، وهو كالطاقة نفسها ، يظلُ سلبياً ساكناً بلا حركة ، إنه لا يتحرّك إلا إذا تكونت الأفكار فيه ، فيتّحد عندئذ بالحركة
عقل كل فردٍ يبدو كأنه قدرٌ معينٌ من جوهر العقل ، لكنه منفصلٌ عنه ، إلا أنّ الحقيقة أن كل العقول متصلةً ببعضها البعض ، وأنها جميعاً متصلةً بجوهر العقل ، بهذا العقل العام التي هي جزءٌ منه ، إن جوهر العقل لا ينفصلُ عن بعضه ، بوجودهِ مجزءاً في الأفراد ، أكثر مما ينفصل الأثيرُ عن بعضهِ في الأجسام المنفصلةِ المتباعدة ، أو كما تنفصل الطاقة إذا ظهرت مقسمةً في حركاتِ الأفعالِ المتباينة ، كذلك لا يوجد شيءٌ ميت في الكون ، لأن الكونَ حيٌ جميعه ، لأن كل ذرةٍ في الكون فيها مادةٌ وطاقةٌ وعقل ( جوهر العقل ) فالكون حيٌ متحرك وعاقل بكل تجلياته ،
وعلم النفس والكيمياء قرّرَا أن العقل اللاواعي أو العقلَ الباطن في الإنسان ، مَتّصلٌ ببعضهِ كالمياهِ الجوفية ، تَتَصلُ بِبعضها ، وإن بَدى كلُ بئرٍ ارتوازيٍ مستقلاً عن الآخر .
الروح :
العقلُ الكليُ ليسَ هوَ المطلق ، إنه منبثقٌ عنه ، وهو يعرف قَطعاً ويقيناً أن المطلقَ موجود ، لأنه يعلمُ حدودَ نَفسِه ، ويعلم أن المطلق وراءَ تلك الحدود ،
إن ما نُسميه العقلَ الكلي ، ليس الوسيلةَ التي يعلمُ المطلقُ بها الأشياء ، ليس العقلُ هو الذي يَعلمُ المطلقُ به ، إنما هو الوسيلةَ التي يُدرِك بها الكون ، والكون ليسَ مطلقاً ، إنما هو مخلوقٌ محدود ، لأنه يشملُ ما انبثقَ عن المطلق ، ولكنه ليسَ هو المطلق ، بل هو فيضٌ من المطلق …
النفسُ البشريةُ تستطيعُ أن تستمِدَ من العقلِ الكليِ ما فيه من علمٍ بكلِ شيء من خلال الروح، وهذا ما يتمتعُ بهِ الأقطابَ الروحيين على حسبِ ما بَلَغوا من درجةٍ ومكانةٍ في السُمو ، وهؤلاءٍ الأقطابَ يُبلغونَ الناسَ ما تَكَشّفَ لهُم من وجودِ المطلق ، مؤيدينَ بذلكَ ما استطاعَ العقلَ إدراكهُ بواسطةِ القوةِ العاقلة ،
الروحُ هي الجزيء الصغيرِ من المطلقِ الذي يبدو منفصلاً عن المطلق ، وما هو بمنفصلٍ عنه ، هو المبدأ الأسمى في كلّ نَفس ، إنه فينا أبداً لا يزيدُ ولا ينقص ، ولكننا نحن نزدادُ إبصاراً لنوره ، كلّما تَقدمنا وارتقينا ، إنّ الروحَ موجودةٌ دائماً ، ولكن وعيَ الإنسانِ ينمو مُقترباً منها ، ولا بد أن يندمجَ يوماً فيها ، وهذا هو هدفُ النفسِ وغايةَ التدرُّجِ والتَّقدُم …فالحياةَ وسيلةَ النفسِ وفرصتها للتخلّصِ من حُجُبها وقيودها ، لتَصلَ إلى ميراثِها الروحي لتَتَمتّع به .
العقل البشري فيه عِلمُ العقلِ العامِ في الحالةِ الكامنة ، عقلُ كلُ فردٍ فيه معرفةَ الكونِ كلها ، وتحليلُ ماءِ المحيط لا يتطلبَ سِوى تحليلُ قطرةٍ منه ، وباستقرائهِ ما في عقلِ نَفسه وعقلهِ ، يستطيع أن يحصلَ على ما في جوهرِ العقلِ من معرفة ، وأن يستقبلَ كلّ ذبذبات العقلِ الكلي ، …
العقل الكلي فيه كل المعرقة ، وما يصل إلى عِلمِنا منهُ ليسَ جديداً ، بل هو موجودٌ فيه وميسورٌ لمن يستطيعُ أن يستمِده بعقلهِ الفرديِ كلما اتَّسَع أفُقَهُ وزادَ عُمقه ، حتى يصل إلى محيطهِ ليطّلِع على دورةِ القَدَر ، بل ويُشاركُ في جهودهِ إن أراد ، ويمكن استخدام العقلِ في تشكيلِ المادةِ بواسطةِ الطاقة ، وبذلكَ يأتي بقدرات تبَدو للعقلِ العاديِ أنها مُعجزات ، ولكنها تدخلُ في نطاقِ الأسبابِ والمسببات ، نطاقَ الممكنِ المعقولِ التي لا إعجازَ فيها ولا مُستحيل
تَستطيعُ النفسُ التي تقدّمت أن ترتفعَ بِعلمِها إلى حيثُ تكونُ فوقَ متناولِ قانونِ العِلَلِ والأسبابِ والنتائج ، الذي يسيطرُ على مجرياتِ الأمورِ في مستوياتِ الوجودِ الدُنيا .
النفسُ مركزُ الوعي
النفسُ مركزُ الوعي ، وفيها القَبَسُ الإلهيُ تَحوطُ به حُجُب ، وهذه الحجُبُ على درجاتٍ وأشكالٍ من جوهرِ العقلِ والطاقةِ والمادة ، وحتى بعدَ الموت ، النفسَ لا تتخلصَ من المادة ، لأن فيها مركبات من المادةِ الشفافةِ بدرجاتِ مختلفةِ من الصّفاء ، فجوهرُ العقلِ الفرديِ نفسهُ بِصورهِ المتعددة ، تحوطهُ طبقةٌ من المادةِ تحجبهُ عن العقلِ الكليِ بحدود معينة
عملية تكوين مركز الوَعي ، أو مولدِ النّفس ، أو دخولِ الروحِ حُجُبَ العقلِ والطاقةِ والمادة ، تُشبهُ في طبيعتها ما يسبقُ تكوينَ الجنين ومولِده ، فالإرادةَ الإلهيةَ تشبهُ الخليةَ المتكونةَ من بويضتي الذكرِ والأنثى ، والروحُ تشبهُ الطفلَ الذي يتكونَ مِنها ، ولا بدّ أن تكونَ في الطفلِ طبيعةَ الوالدينِ وصفاتهما ، أي أن الروحَ من الله وأنها نَفسُ النفس ، وأن الحجُبَ التي تمثلُ العقلَ والطاقةَ والمادة ، هي جسدُ الطفل ، وكلٌ من نفسِ الطفلِ وجسده ، لا بُدّ أن يَكونا من نفسِ العناصرِ التي تكوّنَ منها الوالِدان ، فليس ثمةَ شيءٌ آخر يمكن أن يتكونَ منهُ الطفل ، فنحن بحق من جوهرِ المطلقِ نفسه ، وطبقاً لقانونِ الأبوةِ نأتي نحنُ أطفالهُ جسداً وروحاً على السواء ، إننا مولودونَ ولسنا مَصنوعين ، إذ أننا أولادٌ الحقيقةِ .
فالطفلُ الذي يولدُ ويكونُ في صورةِ مادةٍ بسيطةٍ أولَ الأمر ، ثم ينمو فيَعي ثم يَعقِل ثم يُدرِك ثم يبلغُ مبلغَ الرِّجال ، حتى يصبحَ كأبيه شكلاً وعقلاً ، كذلك هذا الطفلُ الإلهي يُبعثُ في أبسطِ شكلٍ من أشكالِ الروح ، التي يمكن أن تُسمّى جسدُ الله ، وكلّما نمَت ، ارتفعت وارتقت وبلغت آخرَ الطريق ، لتجد نفسها أمام بيتِ أبيها ، لتدخُل وتُلقى نفسها في أحضانِ أبيها الذي يكونُ في انتظارها ، هذه هي عودةُ النفس بعد رحلةٍ شاقةٍ طويلة ، لتَدخُلَ بيتها بسَلام .
كما تنعكسُ الشمسُ على البحر ، وعلى كلِّ نقطةٍ فيهِ إذا انفصلت عن غيرِها ، كذلكَ ينعكسُ نورُ المطلقِ على صفحاتِ العقلِ الكلي ، وعلى كلِّ ذرةٍ من ذراتِ ذلكَ العقل ، فإذا انعكست الشمسُ على بحرِ العقل ، فهيَ نورُ المطلق ، وإذا انعكست على قطرةٍ من العقلِ الكليِ التي يقالُ لها النّفس ، سمُيَتِ الروح ، فليسَ ذلكَ الذي يبدو في الانعكاسِ هوَ الشمسُ نَفسُها ، ولكنه في نفسِ الوقت ، ليسَ وهماً ولا خيالاً ولا شيئاً مُزيفاً ، فالشمسَ قد أرسلت جُزءاً من نَفسِها ، من قُدرتها ومن حرارتها ونورها ومادتها ، ولهذا فالبحرُ والقطرةُ تأخذانِ من نفسِ الشمس ، إن روحَ القطرةِ حَق ، وهذه مُعجزةَ السّر ، فعلى حين تكونُ الشمسُ حاضرةً في القَطرة ، إلا أنّ الشمسَ نفسها بعيدة ، وليس الحاضرُ منها إلا مظهرٌ فقط ، إن من يَرى الانعكاسَ في القطرةِ يرى الشمس ، يرى شكلها ونورها ، ومع ذلك فالشمسُ في السماء ، وهكذا نرى الشمسَ في القطرةِ وهي في السماء ، ونرى الشمس في السماءِ وهيَ في القطرة ، هذا هو اللغزُ الإلهيُّ الذي في طيّاتِهِ الواحدَ المُتعدِّد ، والكلُ الذي يَبدو مُنفصلاً ولا انفصال فيه… من يستطيعُ أن يدركَ كنه هذا اللُغز ، يدركُ سِرَ الصّلةِ بينَ الروحِ والمطلَق ، بينَ المتعددِ والواحِد ،
_يتبع_

Admin
Admin

عدد المساهمات : 3151
تاريخ التسجيل : 05/03/2012

https://alhoriyatmaroc.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

دليل الحياة الروحية المثلى Empty تقنيات الإتحاد والإنعتاق

مُساهمة  Admin الخميس ديسمبر 25, 2014 1:41 pm

الانعتاق والاتحاد
· يجب عليك أن تسيطر على دفق الأفكار في عقلك . وأنواع الأفكار خمسة : المؤلمة والسارة ، المعرفة السليمة والمعرفة الخاطئة ، التصور ، النوم ، الذاكرات ، وجذر كل مشاكلنا أولاً : أن نحسب أن المعرفة الخاطئة معرفة سليمة . والجسد عند الإنسان يجب أن يكون أداة اتصال بين عقله والعالم .
· قوى العالم ثلاث : التنوع ، التناغم ، الاتحاد .
· في الحياة الروحية هناك ثمانية أذرع هي : الامتناع ، المراقبة ، أوضاع الجلوس ، ضبط التنفس ، انسحاب الحواس ، التركيز ، التأمل ، الاستغراق الروحي .
· الامتناعات هي : عدم إلحاق الأذى ، الصدق ، الامتناع عن السرقة ، السيرة الروحية ، عدم الجشع ، والمثالية التي هي أن نتمسك بتطبيق هذه الإمتناعات الخمسة في كل الظروف
· المراقبة خماسية أيضاً هي : النظافة ، الاكتفاء ، التقشف ، الغوص في النفس ، التيقظ لله.
· الحياة الروحية ليست لمن يفرط في أكله ، ولا لمن يتعمد في الإفراط بالامتناع عن الأكل ، وهي ليست للمولع بالنوم ، ولا للمفرط في أوقات صحوه ، فهي تمحق الألم لدى من يطبقها في طعامه وتسليته ، يطبقها في كل جهد يقوم به في منامه وصحوه
· الناس الذين يخضعون أنفسهم للتقشف القاسي ، غير أذكياء ، لإنهم يظلمون مجموعات الكائنات الصغيرة في أجسادهم ،
· في التقشف مع تراجع النجاسة ، تأتي قوى الجسد والأعضاء ، والحس والعقل ، واكتمال الجسد يتضمن الشكل السليم ، في الجمال والقوة والتماسك الراسخ .
· الإفراط في الأكل ، الإجهاد الصعب ، اللغو التافه ، النذور القاسية ، الحاجة إلى البقاء مع الناس ، وعدم الراحة ، هذه الستة تحبط التقدم الروحي
· وضعية الجلوس السليمة هي التي تجعل التأمل مريحاً ومتواصلاً ، فهذه يجب تبنيها ، وليس تلك التي تتعارض والراحة ، وتتحقق استقامة الأطراف عندما تكون الوضعية في تناغم مع الحيوية ، وليس بالإستقامة كمثل الشجرة اليابسة ،
· فعل المعرفة ليس تفكيراً ، فعل المعرفة يبدأ عندما يتوقف التفكير ، وقد أنهى دوره .
· أعداء الصفاء الروحي : القلب النعسان ، التعلق بأي شيء غير الروح ، الأهواء البشرية ، العقل المشوش .
· إذا كان التأمل والاستغراق يتمان في بقرة ، فإن الحدس الناتج سيكون شيئاً عن هذه البقرة .
· عندما تكتمل المراقبة التفتيشية للموضوع المتأمل به ، يصير بوسع المرء أن يتوقف هناك ويستغرق فيها.
· الجسد ليس واعياً لكننا نحن الذين نعي هذا الجسد ، والعقل ليس واعياً لكننا نحن الذين نعي هذا العقل .
· الغوص في الإستغراق بدون اختيار مسبق لموضوع ما ، يتعارض وممارسة التأمل ، وقد تنجم عنه حالة سلبية للعقل أو توازن العقل
· عند التركيز والتأمل يتوجب التفكير فيما يفعل وليس في النتائج ، وبذلك يصبح النجاح من حق المريد .
القدرات والقوى الروحية
· القدرات أو القوى الثمانية هي : القدرة على تقليص الجسد إلى حجم ذرة : عند المشيئة ذلك ، القدرة على زيادة حجم الجسد أو طوله ، الخفة في الوزن وإزالة تأثير الجاذبية عن الجسد ، القدرة على الوصول أو الحصول على أي شيء أو بلوغ أي مكان ، القدرة التي تحقيق كل الأمنيات ، السيادة والسيطرة على قوى الطبيعة ، التحكم في النفس والسيطرة على الذات والتحرر من التأثير الخارجي ، التحكم في الرغبة وإيقاف جميع الرغبات
· الذي يصبو للحصول على القوى الخارقة ، لا يزال مشدوهاً بالأمور المألوفة ، ولا يقوم بأكثر من تعزيزها ، لكن الغاية الحقيقية هي تجدد الحياة وخلع الإنسان القديم .
· الهدف من الرياضة الروحية ليس تخريج الرياضيين ، بل لتحقيق التوازن والصحة في تنظيم الجسم .
· لا يفترض في التنفس المنتظم أثناء التأمل أن يساعد في التأمل ، الهدف هو تمكين المرء من الاستمرار في التأمل من غير أن ينشغل بإبطال مفعول المشوشات التي يسببها التنفس غير المنتظم . ويصبح العقل مستعداً للتركيز .
· التنفس السليم أثناء التأمل يمنع العقل من إيذاء الجسد
· التنفس أثناء التمارين يملي علينا الالتزام الصارم بمعادلة التنفس = 1 : 4 : 2 ( 1 شهيق ، 4 حبس النفس ، 2 زفير ) ومضاعفاتها في الزمن لكل مرحلة ، وقد دعي التنفس بهذه المعادلة بالتنفس الشافي ، حيث يجب أن يبتدئ الشهيق مباشرة بعد إنتهاء الزفير وفي نفس الوقت .
· ممارسة التمارين السليمة ، تعني اضمحلال الأمراض ، وبتبني الممارسة الخاطئة للتنفس ، تظهر الأمراض ، الأمراض المتنوعة وتضم الفواق ، الربو ، السعال ، الصداع ، آلام الأذن والعينين ، على المرء أن يزفر الهواء بتأن ويستنشقه بتأن ويحبسه بتأن أيضاً .
· بوسع الإنسان أن يتحرر من الجسد أو ينعتق منه كلما شاء ذلك ، إذا كان حقاً يريد أن يحيا بإرادته ، ولا يستسلم لاغواءات اللذة والكبرياء التي تجعل منه عبداً للعالم .
· ليس ثمة فخ كالوهم ، ولا قوة كالروح ، ولا صديق أعظم من المعرفة ، ولا عدو أعظم من الكبرياء والرغبة في السرور بنفسه .
· مثلما يتم تعلم العلوم بدراسة أحرف الهجاء ، هكذا يتم تعليم تحقيق الحقيقة عن طريق التمارين الروحية .
· الإنجازات السبعة المطلوبة من أجل الجسد هي : النظافة ، القوة ، الصلابة ، الرسوخ ، الرشاقة ، دقة الحس ، الطهارة .
· يجب على الجسد أن يصبح الوسيلة إلى غاية الحرية والاستقلال العقلي .
· عندما ينجم عن التنفس القسري : الرعشة والدوار وفقدان الحس والشعور بالنمل ، فيجب التوقف ، لأن ثاني أكسيد الكربون يكون قد نقص على الأغلب إلى نصف مقداره الطبيعي .
إرشادات هامة للتطور
· التنفس المنخري المتناوب : على الإنسان الحكيم ، أن يسد فتحة منخره الأيمن بإبهام يده اليمنى ، وسحب الهواء عبر منخره الأيسر ، أن يحبس نفسه أطول مدة ممكنة ، ثم يدعه يخرج عبر منخره الأيمن ببطيء ولطف ، بعد ذلك عليه سحب الهواء عبر منخره الأيمن ، وأن يبقيه أطول مدة ممكنة ، ثم يطرده خارجاً بلطف وبطئ شديد عبر المنخر الأيسر ، عليه أن يمارس الأمر على هذا النحو بانتظام عشرين مرة عند الشروق ، وفي منتصف النهار ، وعند الغروب ، وعند منتصف الليل كل يوم ، مع الاحتفاظ بهدوء عقله ، وخلال ثلاثة اشهر ستكون أقنية الجسد قد نظفت تماماً ، هذه أول مراحل ضبط التنفس الأربعه ، ودلائل ذلك هي أن الجسد يتمتع بالصحة ويصبح جديراً بأن يبث رائحة لطيفة ، وستزداد الشهية ويتحسن الهضم ، وينعم المرء بالبهجة وحسن الصورة والشجاعة والحماس والقوة .
· ثمة أشياء محددة يجب على ممارس التنفس أن يتجنبها : الأطعمة الحامضة ، والقابضة ، واللاذعة ، والمالحة ، والخردلية ، والمرة ، والمقلية بالزيت ، وفعاليات جسدية أخرى : الاستحمام قبل شروق الشمس ، السرقة ، القسوة تجاه الحيوانات ، حب الأذية ، الأنانية ، المكر والصيام ، عدم الصدق ، التعلقات الجنسية النار والنقاش الكثير ، الإفراط في الأكل .
· عليه التمتع : بالزبدة المصفاة ، اللبن ، الأطعمة السكرية ، التنبول بدون دبق ، الكافور ، غرفة جيدة للتأمل ، الاكتفاء بالرغبة في التعلم ، القيام بواجبات التدبير المنزلي ، الاستماع للموسيقى الناعمة والثبات والصبر والجهد والطهر والتواضع والثقة ومساعدة من يقوم على تعليمه .
· يجب الامتناع عن التمارين لفترة معينة بعد وجبات الطعام ، بتناول كميات بسيطة من الطعام بصورة متكررة ، أفضل من كمية كبيرة دفعة واحدة .
· عندما يتعرق الجسم يجب أن يدلك باليدين بصورة جيدة ، وعندما يتم توطيد هذه القواعد على نحو جيد ، تزول ضرورة الالتزام الصارم بها.
· ينصح بالتفكير بالصحة والشفاء والطيبة والأخلاق أثناء الشهيق ، وبالتخلص من الأمراض والرذائل أثناء الزفير وضرورة بث أفكار الصحة والخير لجميع المخلوقات او بتوجيهها لأجل حالات تتطلب معونة خاصة أثناء الزفير مع المحافظة على هدوء الوجه .
· يفترض في الإنسان العادي أن يكون قادراً على حبس النفس مدة ثلاثة أرباع الدقيقة .
· جميع أفكارنا تترافق بالعواطف والانفعالات ، مهما كانت طفيفة . وأحد أهداف الرياضة الروحية هي وقف هذا التأثير أثناء الجلوس للتأمل ، وضبطه في الأوقات الأخرى مع البقاء بالمحافظة على الهدوء أثناء الغضب والنقمة ، وذلك بالسيطرة على التنفس الفعال .
· ينصح أثناء الممارسة الفعلية لتنفس الطاقة ، بأن يعي المتمرن حركة العضلات على جانبي الصدر . ففي التأمل السليم تكون الحاجة للأكسجين أقل ، والتنفس يجب أن يكون مديداً ولطيفاً
· النوم لا يعود حاجة عندما ينخفض مستوى الطاقة المستنزفة أثناء الصحوة ، إلى ما دون المنفق منها أثناء النوم . فنحن نخلق أثناء الاسترخاء وأثناء التأمل ، حالة أفضل من النوم العادي ، وأكثر إمتاعاً وإنعاشاً .
· الحيوانات البطيئة التنفس أقل قابلية للاستثارة وأطول عمراً من السريعة التنفس .
· الملح يجب تحاشي تناوله لمن يزاول الرياضة الروحي
مظاهر ووضعيات التمارين
· التحليق في الفضاء أو الأثير ، قد يصل له ممارس التمارين للرياضة الروحية عندما يستطيع الوصول لأتقان معادلة التنفس لتصل إلى العد للأرقام 36 : 144 : 72 ( شهيق : حبس تنفس : زفير )
· وضعيات الجلوس : الجلوس يجب أن يكون منتصباً ومريحاً ويتم هذا بالتحرر من المجهود والتركيز في التفكير على اللامتناهي ، وبهذا يزول الإزعاج الذي تسببه أزدواجية الأضداد ، وتنمية التوازن الذي يتطلب حداً أدنى من المجهود العضلي
· أوضاع التأمل : يكون فيها إبقاء الرأس والعنق والظهر على استقامة واحدة ، والإراحة التامة لكل الجسم على الردفين وثني الساقين إلى الأمام
· عيوب الفراش الوثير أنه يحفز المرء على النوم بدون استرخاء ، أما الفراش الصلب فالاسترخاء فيه يكون إجبارياً
· أنت شاب بقدر ما يكون عنقك شاباً
· برنامج تطوير الذات يتوجب أن يحتوي على كل ما من شأنه أن يساعد على : التحكم بالعقل ، التحكم بالجسد ، التخلي عن الاعتقاد بالخرافات وعن التواكل وإيقاف الامتعاض والتنافر ، قبول فكرة أن عليه واجب تحمل ما يواجهه ، فيقوم بمعظمه من غير شكوى حتى لنفسه ، تنمية الثقة في قوانين الحياة التي يتصرف بموجبها ويجدها كذلك فيه ، مع تنمية طبائع الثبات أثناء السعي وراء هذه الغايات
· التطهر يتم عبر ستة أنواع من الفعل : عن وضعية الجلوس تنجم القوة ، وعن التمرين ينجم الثبات ، وعن انكماش الحواس يأتي هدوء الجسد ، وتنظيم التنفس يأتي بالخفة ، وبالتأمل تأتي رؤيا الذات ببالاستغراق والطهر الكامل تأتي الحرية بغير الشك
· أنواع فعل التطهر ستة : الطهر العام ، غسل الأمعاء ، تنظيف المنخرين ، تليين محتويات البطن ، تصفية الرؤية ، تنقية الجمجمة
· في التأمل والاستغراق يرى المرء الموضوع المستغرق به وكأنه يقع بين الحاجبين .مع الحذر من النظر حتى والعينين مغمضتين ، من إجهاد العينين .
· يقال أن القمر يقيم في قاعدة الحنجرة ، والشمس في قاعدة السرة .
· تمرين رفع الساقين في الهواء في الوقت الذي تتم فيه محاولة الوقوف على الكتفين بانتظام تؤخر الشيخوخة والموت .
· تمارين الوقوف على الرأس وما شاكلها مفيدة في حالات الإمساك والربو والضعف الجنسي .
· عندما يمضي نصف الليل ، وتتوقف أصوات الكائنات الحية ، ومع وضع اليدين على الأذنين ، يجب استنشاق الهواء وحبسه ، وعلى المتمرن عندها أن يسمع في الأذن اليمنى الأصوات الجميلة والقصية ، فيسمع أولاً صوت الجدجد ، ثم صوت المزمار الشجي ، ثم ما يشبه هزيم سحابة المطر والأجراس القرصية وأنواع مختلفة من الطبول .
· يمكن للمرء أن يخاطب حواسه في أن يقول لها : أنا على وشك القيام بالتأمل مدة معينة ، فابقي هادئة ، ولا تولي اهتمامك أي شيء ، إلا إذا اندلعت نار في المنزل ، ناديني عندما تدق الساعة معلنةً كذا ، كذلك قد نرغب أثناء التأمل بأن تزودنا الحواس بصور للموضوع المختار التأمل فيه
· الطاقة الكامنة في الجسد : هناك قوة كامنة أو شبه كامنة في الكائن البشري العادي ، وهي تقع في او بالقرب من قاعدة العمود الفقري ، إنها تدعى مركز طاقة قاعدة الجذر ( وهي كلمة تعني ملتف حلزوني )
· المادة هي ذلك المبدأ في الطبيعة الذي يتم عبره نقل الماضي إلى الحاضر ، والعقل هو ذلك المبدأ في الطبيعة الذي يتم عبره نقل المستقبل إلى الحاضر . والحياة بكونها اللقاء بين العقل والمادة ، وما يدعى باللحظة الحاضرة ، هو وحدة زمنية ثلاثية
· الطاقة الأم تعتبر بصورة عامة كامنة في الجسد ، وطاقة الأرض تفعل من خلال آلية تتجه عبر القناتين خارج النخاع الشوكي .
· عملية تحفيز مركز طاقة الجذر تتم بشد وترك منطقة العصعص ، بحيث تبدأ هذه الطاقة بالنهوض كالأفعى بالفحيح ، وكأنها أفعى أزعجت أثناء نومها. وعندما يتحقق التأمل المتسامي تشرق هذه الطاقة من تلقاء ذاتها على كامل الدماغ والرأس .
· نقاط توضع مراكز الطاقة الحيوية الرئيسية الستة في الجسم ، هي على طول النخاع الشوكي من الأعلى إلى الأسفل هي : مركز بين الحاجبين ، مركز الحنجرة ، مركز القلب ، مركز السرة ، مركز الحوض ، والمركز القاعدي قرب الشرج .
· التفكير في أو ضمن مراكز الطاقة هذه يثيرها أو يهدئ من فورتها بحسب الحالة .
· من الصوت تنبثق الأشكال ، وتتأثر الأشكال أيضا بالأصوات ، وتعتبر كل حركة في العالم مولدة لصوت رغم أن كثير منها ما يقع خارج مجال آذاننا .
التأملات الخمسة الخلاقة :
في التأمل والتركيز على نقل النفس من القدمين إلى الركبتين مستغرقاً في باللون الذهبي ، والتركيز على هذه المنطقة لمدة ساعتين ، يزودك بالقدرة على السيطرة على الجوامد بشكل أكُُثر ويقلل من أخطارها عليك ، والتأمل في التركيز على المنطقة من الركبتين وحتى الشرج لمدة ساعتين هي للتحرر من الخطايا والسيطرة على السوائل ، ولنفس الفترة من التركيز على الشرج حتى القلب لتمديد فعالية قدرة النار ، والنتيجة هي الغبطة في استعمال النار والتحرر من أخطارها ، والتركيز بنفس الطريقة على منطقة القلب وحتى الحاجبين هي للمعرفة الكلية ، ومن الحاجبين وحتى قمة الرأس يتمتع المرء من خلالها بالقوى الخفية الثمانية ، وهي الصفر اللامحدود والضخامة وخفة الوزن وثقله والرؤيا والحركة والإبداع والضبط ، ويقال أنه بممارسة هذه التأملات الخمسة ، ينتصر الروحي الحاذق على الموت ، ويتمكن من تحديد موعد ارتحاله ، ويستطيع أن يموت من غير أن يطرأ عليه نومة غيبوبة ، أو أية مقاطعة للسيرورة الواعية .
· رحلة الطاقة الكامنة في الجسد وغايتها :
· التأمل هو إشراق لطيف ، يلقي ضوءأ جديداً أعظم على الموضوع ويعزز قوة الوعي على تقديره . فمعيشتنا ليست غاية في ذاتها ، لكنها مدخل إلى الحياة الروحية ، والكينونة الروحية
· العقل لا يعدو كونه خادماً للإرادة الباطنية ، وهذه الإرادة ليست إرادة الحياة فحسب ، بل إرادة المغامرة والتحقيق للحقيقة أيضاً
· رحلة طاقة مركز الجذر في الجسم ، يتوجب عليها اختراق ثلاث عقد : عقدة المركز القاعدي ، وعقدة مركز السرة ، وعقدة مركز الحنجرة
· مركز طاقة الجذر أو القاعدة وحجرتها أو كهفها وصفت على أنها على بعد إصبعين فوق الشرج ، وإصبعين تحت العضو التناسلي ، نجدها تأخذ شكل بيضة العصفور ، وامتداد بعرض أربع أصابع ، وعنها تنسأ قنوات الأعصاب وعددها72000، وهي تغفو كالحية الملتفة على نفسها ثلاث مرات ونصف ، وطريقة إيقاذها أو تفعيلها وتنشيطها تتم بعد اتخاذ وضعية البادماسانا ووضع الراحتين الواحدة فوق الأخرى ، مع تثبيت الذقن على الصدر بشدة ، وأثناء الاستغراق في التركيز ، يتم تقليص ورفع الصرة الشرجية نحو الأعلى ، وبتقليص ورفع مماثل للحنجرة ، مع إرغام التنفس على النزول إلى الأسفل ، بهذا يتم صعود هذه الطاقة القوية جداً والحصول على معرفة روحية لا تجارى بفضلها
· إجلس متخذاً وضعية الجلوس ، إملأ رأتيك بالهواء عبر منخريك الأثنتين ، ثم احبسه ، قلص المستقيم ببطء لترغم الهواء النازل على الصعود ، بهذا تلج هذه الطاقة الطريق الصاعدة ، كذلك يمكنك أن تقلص وترخي فتحة الشرج مراراً ، فهذا يسبب استيقاظ هذه الطاقة
· طريقة أخرى : إضغط على الشرج بعقب القدم اليسرى ، مد الساق نحو الخارج بصورة مستقيمة ،وامسك أصابع القدمين باليدين معاً بشدة ، إحبس نفسك في الحنجرة ثم اسحب الهواء نحو الأعلى ، إذ ذاك تصبح طاقة الجذر مستقيمة كالحية التي ضربت بعصا ، فتتحرك نحو الأعلى مع الهواء في القناة المركزية ، في حين تميل القناتان على اليمين واليسار إلى حالة شبيهة بالموت ، ثم أزفر الهواء ببطيء شديد جداً ، يجب أن يجري تناوب في التمرين بوضعية الأقدام ، بحيث يوضع عقب القدم اليمنى عند الشرج ومد الساق اليسرى .
· طريقة أخرى لا يمد الساق بها ، بل يضغط على الشرج بأحد الكاحلين ، وتوضع الرجل الأخرى على الفخذ ، وبعضهم قد يلجأ إلى الضغط باللسان على الأسنان الأمامية حيث تلتقي باللثة ، وهناك امتداد لهذه الطريقة ، يحدث عندما توضع اليدان ، انطلاقاً من وضعية الجلوس نفسها على الأرض ويرفع الجسد عليهما ، ومن ثم تضرب الاليتان بلطف في الأرض .
· عندما تلفظ الصوت المستمر أو ترديد أووم الطويلة ، ستشعر بوضوح أن الاهتزاز الحقيقي يبدأ من مركز هذه الطاقة ,
· طاقة الجذر هذه تتوجه نحو الأعلى في بحثها عن الروح ، وتتم الرحلة عندما يركز ممارس التمرين جميع وظائفه لبلوغ مرحلة التنور الروحي ، ويركز تكريسه في على مراكز الطاقة السبعة والتعليمات المرافقة لها ، بحيث تعتبر هذه التعليمات تكريساً لوظيفة تلو الأخرى ، وعند بلوغه هذه النقطة ، تصبح حياة الممارس ومصيره بين يديه .
ظواهر وتفسيرات
· السائل المنوي يستقي مواده من كل أعضاء الجسم ، وينقل شيئاً ما من كل ناحية من أنحاء الجسم ، وان تبديد هذا السائل أو إنتاجه المفرط ، يستنزف الجسم بكامله ، وأن الحفاظ عليه يقدم منفعة كبرى للجسم بأسره .
· من يتعامل بشفاء الآخرين : فإنه يقدم بعضاً من حيويته الخاصة من خلال عملية تشبه نقل الأفكار .
· حاجتنا لتأمل العقل مثل حاجتنا لتمارين الجسد ، لا من أجل توطيد عادات عقلية أو إشراطات ، بل حفاظاً على مرونة العقل واستعداده للاستعمال عند الحاجة .
· نظرية الفلسفة أو علم النفس في المادة تتلخص في أن كل إنسان سيبلغ عاجلاً أم آجلاً الحالة الروحية ، وسيسمع حينئذ بغير أذنيه ، وأن منهجها الحالي باستعمال الحواس في المعيشة ، ليس إلا مدرسة تقوم فيها بتنمية القدرات للوعي وإثارة الطاقات الكامنة .
· الرؤية في الأحلام تكون أكثر وضوحاً وصحة منها في التصور المتعمد ، المخلفات العقلية تحت الشعور ، تتصف بجودة خواص الحواس كما في التجربة الحواسية تماماً
· الله هو الروح الكامل الذي لا يتأثر بحاويات منابع الاضطراب والأفعال أو نتائجها . ومنابع الاضطراب هي : الجهل والأنانية ، والرغبة والنفور والتعلق .
· الهدف من ترديد كلمات أووم في التأمل هو المساعدة على تحقيق الغاية الروحية ، والحروف الثلاثة تعني الجسد والنفس والروح .،والهمس في التلاوات خير من الصوت المرتفع ، والصمت خير من الهمس . والصوت يجب أن لا ينتهي مبتوراً ، ولفظ الميم يجب أن يكون متواصلاً مثل انسكاب الزيت وبطول رنة الجرس ، وأقسام أوم الثلاثة مكرسة للكلي الشمول بكليته .
· في النوم تزول السيطرة على العقل ، ويبقى سيل من الصور يتقيد بالحد الأدنى من العاطفة والعقل .
· عالمنا ليس كومة من الأشياء عديمة الارتباط والخصائص ، بل هو تناغم كلي أينما توجهنا بنظرنا ، نحو البشر أو الحيوانات أو النباتات أو الأشياء .
· التفكير هو فاعلية العقل .
· الصوت الذي لا يترافق مع المعنى العقلي يفقد مفعوله .
· مراكز الطاقة لكل منها نغمة صوت معينة : فمركز القاعدة له نغمة : لام ، ومركز الحوض : فام ، والسرة : رام ، والقلب : يام ، والحنجرة : هام ، والحاجب أوم ، والعناصر الخمسة التي تتعلق وترتبط بهذه المراكز هي : التراب ، الماء ، النار ، الهواء ، الأثير ، على الترتيب
· الحواس المحرضة هي على الترتيب بدءاً من أسفل : الشم ، الذوق ، البصر ، اللمس ، السمع ، حيث يختص السادس ( مركز الحاجب ) بالقدرات العقلية ،
· بوسع الممارس أن يتأمل في أي من مراكز الطاقة السبعة لغاية محددة ، لكنه إذا شاء إيقاظ وتنشيط مركز الجذر ، عليه أن يتناول كل المراكز على التوالي واحداً بعد الآخر ،
· يتلقى معظم الناس انطباعات فكرية معينة واحساسات وعواطف من الأشياء التي يحملونها ، لهذا ينقل الكتاب المقروء كثيراً من الأفكار التي يحويها على نحو أفضل من الكتاب الذي لفظته المطبعة لتوها . وكل الأشياء المحبوبة توقظ فينا طاقاتها الخاصة ، فالأشياء المستقيمة تجعل المرء مستقيماً والأشياء الرشيقة تجعله رشيقاً ، إن هو أحببها .
· طائر البجع قادر على سحب اللبن والإبقاء على الماء في مزيج يحوي الاثنين .وبالطريقة ذاتها يعرف الرياضي الروحي الذي بلغ الدرجة المناسبة من السمو ، كيف يستخلص ما يفيد الروح من مزيج التجارب التي تتكون منها حيواتنا .
معلومات وتعريفات عامة
· الرياضة الروحية تعني : التوازن في النجاح والفشل ، العيش الحاذق في قلب التناقضات ، تعلم سر الحياة الأسمى ، الوصول إلى الغبطة العظمى ، السكينة الداخلية ، اللاتعلق بالأشياء ، القدرة على هدم الألم ، الانفصال عن الإثم ، القدرة على ضبط النفس ، تستخدم التركيز لتبلغ الاستغراق الروحي ، وكل هذا لتنقية النفس وأنواع الرياضة الروحية هي : طريق العلم ، طريق الحكمة ، طريق سمو الذات ، طريق الفعل ، طريق الزهد
· المعرفة الحقيقية هي استشفاف وتحقيق الدور الذي تقوم به الطبيعة والحياة من خلال الفعل .
· تقدمة المعرفة أعظم من أي تقدمة مادية لأن جميع الأفعال تجد غاياتها النهائية بالمعرفة ، وبها سنكتشف أن كل شيء طاقة إلهية
· العناصر الداخلة في تكوين العالم الخارجي خمسة عناصر مادية وثلاثة عقلية ، وثمانية مكونات للطبيعة وهي التراب ، الماء ، النار ، الهواء ، الأثير ، العقل ، الحكمة أو الفهم ، الفردية ،
· المتعبدين أربعة أنواع وهم جميعاً طيبون : الواقع في ضيق ، الباحث عن المعرفة ، الباحث عن الثراء ، صاحب المعرفة ، والأخير أفضلهم ،
· جميع أفعال التضحية هي أفعال للمنفعة المتبادلة ، وليست للرغبة الشخصية ، المنفعة المتبادلة هي قانون الطبيعة .
· الزهد لا يعني الامتناع عن العمل ، بل التخلي عن الرغبة في ثمار العمل .

إعداد:ذ/نزار محمد شديد

Admin
Admin

عدد المساهمات : 3151
تاريخ التسجيل : 05/03/2012

https://alhoriyatmaroc.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى