منظمة الحريات للتواصل بين موظفي قطاع العدل بالمغرب
مناضلون بلا عنوان
مناضلون في أيّ مكان
نكتب سير الأبطال للأطفال
نحلم بالورد والخبز والزيت
وكتب الحب والنار
ورسم العصافير والتذكار
وعشق المطر والأزهار
مناضلون مناضلون
ماالذي يحوِّل الكفّ قذيفة
والقلب ترابا ورغيفا
ما الذي يجعل الضلوع خنادق والكلمات بنادق
غير حزن الكادحين
مناضلون مناضلون
إننا نسير نسير...لنفك قيد الوطن الأسير

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

منظمة الحريات للتواصل بين موظفي قطاع العدل بالمغرب
مناضلون بلا عنوان
مناضلون في أيّ مكان
نكتب سير الأبطال للأطفال
نحلم بالورد والخبز والزيت
وكتب الحب والنار
ورسم العصافير والتذكار
وعشق المطر والأزهار
مناضلون مناضلون
ماالذي يحوِّل الكفّ قذيفة
والقلب ترابا ورغيفا
ما الذي يجعل الضلوع خنادق والكلمات بنادق
غير حزن الكادحين
مناضلون مناضلون
إننا نسير نسير...لنفك قيد الوطن الأسير
منظمة الحريات للتواصل بين موظفي قطاع العدل بالمغرب
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» الرقمنة والمخطط التوجيهي لرقمنة العدالة بالمغرب
لماذا كان ماركس محقاً؟!  Emptyالجمعة يناير 21, 2022 4:24 pm من طرف Admin

» تحديث الإدارة القضائية و جودة خدمات العدالة
لماذا كان ماركس محقاً؟!  Emptyالجمعة يناير 21, 2022 4:20 pm من طرف Admin

» بيني و بينك ســـجـــر الـــبـــن
لماذا كان ماركس محقاً؟!  Emptyالخميس يناير 13, 2022 4:21 pm من طرف Admin

» موسيقى بتردد 741 هرتز للتخلص من الأمراض والتشافي وتنظيف طاقة الجسم من السموم
لماذا كان ماركس محقاً؟!  Emptyالجمعة ديسمبر 31, 2021 4:39 pm من طرف Admin

» QCM صندوق التكافل العائلي شروط و مساطر الإستفادة
لماذا كان ماركس محقاً؟!  Emptyالخميس ديسمبر 02, 2021 2:35 pm من طرف Admin

»  QCM وحدة التبليغ و التحصيل
لماذا كان ماركس محقاً؟!  Emptyالخميس ديسمبر 02, 2021 2:25 pm من طرف Admin

» التبليغ في قانون المسطرة المدنية
لماذا كان ماركس محقاً؟!  Emptyالأربعاء ديسمبر 01, 2021 12:05 pm من طرف Admin

» QCM متنوع_5_
لماذا كان ماركس محقاً؟!  Emptyالأربعاء ديسمبر 01, 2021 9:24 am من طرف Admin

» QCM متنوع_4_
لماذا كان ماركس محقاً؟!  Emptyالأربعاء ديسمبر 01, 2021 9:23 am من طرف Admin

يناير 2022
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
     12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31      

اليومية اليومية

التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني



المشاركات التي حصلت على أكثر ردود أفعال في الشهر

لماذا كان ماركس محقاً؟!

اذهب الى الأسفل

لماذا كان ماركس محقاً؟!  Empty لماذا كان ماركس محقاً؟!

مُساهمة  Admin الخميس يونيو 25, 2015 12:05 am

كتب ماركس في (المخطوطات الفلسفية الاقتصادية) وصفاً رائعاً لطبيعة المال السحرية والمتبدِّلة وقدرته، رغم ظاهره الوديع، على استحضار أشياء كثيرة قد يختلّ معها صواب الإنسان. المالُ هو نوع من الاختزال، يحشر عوالم كاملة في حفنةٍ من المعدن.

إذاً، حتى قطعُ النقود المعدنية ليست اقتصاداً فحسب. وفي الواقع، لا يظهر (الاقتصاد) في شكله الخام. وما تسمّيه الصحافة المالية (الاقتصاد) ليس سوى نوع من شبح، لم يره بعد أحد، وهو تجريدُ عمليةٍ اجتماعية معقّدة. يعود تضييق مفهوم الاقتصاد لحدٍّ كبير إلى نظرية الاقتصاد الأرثوذكسية. وعلى العكس، تستخدم الماركسية مفهوم الإنتاج الأعم والأشمل. ويعود سبب سريان نظرية ماركس التاريخية إلى أن البضائع المادية ليست بضائع مادية فحسب، بل إنها تمنح الإنسان الشعور بالرخاء وتفتح أمامه الباب واسعاً باتجاه أشياء كثيرة غالية على قلبه. ولهذا دخل البشر في صراعات مميتة من أجل الاستيلاء على أرض ومُلكية وثروة ورأسمال. ولا أحد يقدّر الاقتصاد لأنه اقتصاد، باستثناء أولئك الذين امتهنوه، وإنما لأنه يشمل أبعاداً أخرى كثيرة، ومن هنا تأتي أهميته في تاريخ البشرية.

غالباً ما تُتهم الماركسية بأنها الصورة المنعكسة لخصمها السياسي. وكما تُقلِّصُ الرأسمالية الإنسان إلى الإنسان الاقتصادي، فإن خصمها الكبير يفعل الشيء ذاته. الرأسمالية تجعل من الإنتاج معبودها، وماركس يفعل الشيء ذاته. إلا أن هذا تفسير خاطئ لمفهوم الإنتاج في الماركسية. يقول ماركس إن الجزء الأكبر من الإنتاج الحاصل ليس إنتاجاً حقيقياً. والرجال والنساء هم منتجون حقيقيّون عندما يفعلون ذلك بملء حريتهم ومن أجل أنفسهم. ولا يتحقق ذلك إلا في ظل الشيوعية، وحتى ذلك الحين، يمكننا أن نتذوّق مثل هذا الإبداع على شكل إنتاج خاص نسمّيه أعمالاً فنيّة. كتب ماركس إن جون ميلتون  أنتج (الجنة المفقودة ) للسبب ذاته الذي يدفع دودة القزّ إلى إنتاج الحرير. لقد كان عملاً ينسجم مع طبيعته). يمنحنا الفن صورة عن العمل المنسجم مع هدفه. ومن هذه الزاوية نظر إلى مؤلّفاته على أنها (عمل فني متكامل) سطَّره بأقصى درجات العناية بالأسلوب والتعبير (خلافاً للعديد من تلاميذه من بعده). ولم يكن اهتمامه بالفن نظرياً، إذ ألّف أيضاً قصائد ورواية هزلية وأجزاء من دراما شعرية ومخطوط كتابٍ كبير لم ينشر عن الفن والدين. كما خطط لإصدار مجلة عن المسرح ودراسة عن علم الجمال. وكانت معارفه في مجال الأدب مدهشة.

نادراً ما جلب العمل السعادة للإنسان، لأنه كان دائماً بشكلٍ أو بآخر مجبراً عليه، على الأقل خوفاً من الجوع. كما لم يكن العمل في مجتمع الطبقات هدفاً بحدّ ذاته، وإنما وسيلة لزيادة سلطة الآخرين وأرباحهم.

تشمل الحياة الجيدة عند ماركس، ومعلِّمه أرسطو، نشاطاتٍ يمارسها الإنسان من أجل الممارسة في حدِّ ذاتها.

الأفضل أن نفعل شيئا بكامل رضانا. والحيوانُ الذي أصبح إنساناً يفعل ما يفعله بحثاً عن السعادة، وليس بسبب الواجب أو العادة أو الطاعة أو الضرورة المادية أو الفائدة الاجتماعية أو خوفاً من الربّ. لا يوجد، مثلاً، أيُّ مبرر لأن نرضى العيش في مجتمعٍ من أناس مثلنا. لكن عندما نفعل ذلك، نكون قد استفدنا من إحدى مهارات (جنسنا البشري). وهذا ما يعتبره ماركس إحدى طرق الإنتاج، كما هو الحال عندما نزرع البطاطا مثلاً. التضامنُ الإنساني هو الأساس الهام لأي تغيير سياسي. ولهذا التغيير أسبابه الذاتية أيضاً.

وفي ما يلي مقطع مثير من (المخطوطات الفلسفية الاقتصادية) حول هذا الموضوع:

عندما يتّحد الحرفيّون الشيوعيون، تصبح عندهم النظريةُ والدعاية... إلخ غايةً. وفي الوقت ذاته يشعرون بحاجة جديدة، وهي الحاجة إلى المجتمع، وما كان وسيلة، أصبح غاية. الأكل والشرب والتدخين إلخ... لم يعد وسيلة الربط أو وسائل القربى. يكفيهم الاجتماع والاتحاد والتسامر الذي يحتاجه المجتمعون، إذ لم تعد الأخوّة بين الناس عندهم مجرّد كلام بل حقيقة، وشرفُ الإنسانية يشرق لنا من الوجوه التي قسّاها العمل.

الإنتاج عند ماركس يعني، إذاً، أن نجنّد مهاراتنا الأساسية لدى تغيير العالم. وهو يقول في (الخطوط العامة) أن الغنى الحقيقي يتمثّل في (إطلاق جميع قوانا الخلاقة... وهذا يعني تطوير جميع قوانا الإنسانية بشكل مطلق وعدم قياسها على مقياس محدّد مسبقاً، كغايةٍ بحدّ ذاتها). يكتب ماركس في (الرأسمال) أيضاً إن مملكة الحرية الحقيقية يمكنها أن تبدأ (بتطوير قوى الإنسان، الذي يُعتبر غاية في حدِّ ذاته، فيما وراء تاريخ الطبقات). وبذلك يكون معنى كلمة (الإنتاج) لدى ماركس أيّ نشاط يخدم تحقيق الإنسان لذاته: العزف على آلة موسيقية، التمتّع بأكل فاكهة، المجادلة حول أفلاطون، ممارسة رقصة شعبية، إلقاء كلمة، ممارسة نشاط سياسي، تنظيم حفلة عيد ميلاد. وليس في كل ذلك أي كلمة عن استخدام قوة العضلات أو التباهي بها.

وعندما يعتبر ماركس الإنتاج جوهر الإنسانية، فإنه لا يعني بذلك أن جوهر الإنسان يكمن في ممارسة أي عمل تافه. فالعمل، كما نعرفه، هو شكل غريب مما يسميه ماركس (الممارسة العملية Praxis). وهي كلمة يونانية قديمة تعني أيَّ نشاطٍ حرٍّ يجلب السعادة، ونغيّرُ بواسطته العالم. وفي اليونان القديم فُهم منها كلُّ نشاط يقوم به الإنسان الحرُّ خلافاً لنشاط العبد.

ومع ذلك، يمكّننا الاقتصاد من الانطلاق إلى ما هو أبعد من حدود الاقتصادي. وعن طريق إعادة توزيع الثروات الهائلة التي كدّسها لنا النظام الرأسمالي يمكن لأهميّة الاقتصاد أن تتراجع كثيراً. لن يختفي الاقتصاد، لكنه سيصبح أقل إلحاحاً. ولن نضطر إلى التفكير باستمرار بكيفية الحصول على المال من أجل التمتّع بالعديد من البضائع. سنتمتّع أيضاً بالمزيد من الحرّية وسيكون عملنا أقلَّ رتابة. لم يركّز ماركس فقط على الاقتصاد، إذ اعتبره الصورة المشوهة لإمكانات الإنسان الحقيقية. وأراد مجتمعاً لا يستهلك فيه الاقتصادُ الكثير من الوقت والجهد.

من المفهوم أن أجدادنا كانوا منشغلين جداً بالقضايا المادّية. عندما يُنتج الإنسان قيمة زائدة ضئيلة، أو معدومة، يهلكُ حتى من دون عمل شاقّ. وعلى العكس، فقد خلق النظام الرأسمالي لنا تلك القيمة الزائدة التي يمكن استخدامها بالفعل لزيادة وقت الفراغ بشكل كبير. ومن الغريب أن كل هذا الغنى يُخلق بطريقةٍ تلهث باستمرار وراء التراكم والتوسّع وإعادة الاستثمار بقصد تحقيق المزيد من العمل والأرباح. إضافة إلى أن النظام الرأسمالي يحقق القيمة الزائدة ويخلق الفقر والعوز أيضاً. فالنظام إذاً ذو إنتاج متناقض. وهكذا يعمل فيه بشر عصريّون يحيط بهم غنى لا يمكن تصوّره بالنسبة لمجتمع الصيد والجني ومجتمع العبيد في العصور القديمة والرقيق المملوكين في عصر الإقطاع، مدة طويلة وبشقّ الأنفس مثل أسلافهم.

اهتمّت مؤلّفات ماركس بطيب عيش الإنسان. ولا يعني ذلك العمل، بل راحة البال. كما اعتبر ماركس تحقيق الإنسان لذاته نوعاً من (الإنتاج) الذي لا يتحقق غصباً. وراحة البال ضرورية لأن البشر، رجالاً ونساء، بحاجة إلى وقت الفراغ من أجل الاهتمام بشؤونهم الخاصة. وبهذا المعنى، قد نفاجأ بعدم وجود تنابل أو كسالى بين أعضاء الأحزاب الماركسية. ويعود هذا إلى سبب وجيه مفاده أنه لا بدَّ أوّلاً من بذل جهودٍ كبيرة جداً من أجل تحقيق الهدف. لا بدَّ من العمل الشاقّ، من أجل الحصول على راحة البال.
تأليف: تيري إيغلتون
المصدر:an-nour.com/

Admin
Admin

عدد المساهمات : 3153
تاريخ التسجيل : 05/03/2012

https://alhoriyatmaroc.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

لماذا كان ماركس محقاً؟!  Empty ...

مُساهمة  Admin الخميس يونيو 25, 2015 12:22 am

نظر ماركس إلى المستقبل بعين ملؤها التفاؤل لأنه يعرف أننا لا نتحمّل وزر هذه الأوضاع السيّئة ال الراهنة. وإذا كان التاريخ ملطّخاً بالدماء، فلم يكن ذلك لأن البشر سيّئون، وإنما لأنهم كانوا يخضعون لظروف مادية سيّئة. وهكذا يستطيع ماركس الحكم على الماضي بواقعيّة من دون السقوط في حبائل الأسطورة القائلة بأن النفس أمّارة بالسوء. وهذا هو أحد الأسباب التي تجعله يحافظ على إيمانه بالمستقبل. فأملُهُ نابع من ماديّته.

ولو حصلت الحروب والمجاعات وإبادة الشعوب بالفعل بسبب دناءةٍ أصيلة في نفس الإنسان، لما كان هناك ما يُبرّر الاعتقاد بأن المستقبل سيجلب معه أدنى تحسُّن. أما إذا كانت أمثال هذه الوقائع، ولو

جزئيّاً، نتيجة أنظمةٍ اجتماعية ظالمة، ولم يكن الإنسان الفرد فيها أكثر من أداة، فيمكننا عندئذ أن نتوقّع بحقّ أن تغيير النظام سيجعل العالم حتماً أفضل. ولن يرتعب من شبح الكمال المرعب في هذه الأثناء إلا المجانين.

وهذا لا يعني أننا نمنح رجال مجتمع الطبقات ونساءه براءة ذم، مهما كانت أفعالهم، كما لا يعني أن انحطاط بعض البشر لم يلعب أي دورٍ في الحروب وإبادة الشعوب. فالمعامل التي تُجبر المئات وربما الآلاف من العمال على البطالة تستحق حتماً أن تُلام على ذلك. إلا أن هذه المعامل لا تفعل ذلك بسبب كراهيةٍ أو خبثٍ أو عدوانية، وإنما كي تستطيع ضمان أرباحها في نظام قائم على التنافس ويخشون فيه بغير ذلك من الزوال.

يمكن لبشرٍ، يرسلون الجيوش إلى الحرب ويتسبّبون في نهاية المطاف بإحراق أطفال صغار، أن يكونوا أناساً وديعين جداً. لذلك لم يكن النظام النازي نظاماً سياسياً مشيناً بحدِّ ذاته فقط، بل لأنه استغلّ أيضاً ساديّة بشرٍ يمكن وصفهم بأنهم سيّئون، كما استغلَّ أمراضهم وكرههم أيضاً. وإذا لم يكن هتلر إنساناً سيئاً، فلن يكون لهذا المفهوم معنى. ولم يكن لسوئهم الشخصي أن يؤدّي إلى هذه النتائج المرعبة، لو لم يرتبط بالإجراءات التي اتخذها النظام السياسي. ولكان الأمر وكأننا نوكل لجاكوJago) ) شيكسبير، وهو شخصيّة في مسرحية عُطيل، يحبّ الدسائس والمكائد) إدارةَ معسكر مساجين الحرب.

إذا كان هناك بالفعل طبيعة بشرية، فلا شك في أن ذلك، بشكلٍ ما، خبر جيد، بغض النظر عما يقوله

المحدثون في هذا الصدد. فالعلامةُ المميِّزة لهذه الطبيعة هي مقاومةُ الظلم. وهذا هو أحد أسباب خطأ

الاعتقاد بأن مفهوم الطبيعة البشرية يجب أن يؤدّي دائماً إلى نتيجة محافظة. إن نظرة واحدة إلى التاريخ تبيّن لنا بوضوح أن الاضطهاد السياسي قد أدّى دائماً إلى الانتفاض ضده، بغض النظر عن مدى فظاعة طريقة إخماد الانتفاضة أو عن مدى فشلها الذريع. ومن الجليّ أن في الإنسان شيئاً غير مستعدٍّ للانحناء بخشوع أمام عنجهيّة السلطة. والسلطةُ الناجحة بالفعل هي السلطة التي تكسب رضا مواطنيها. إلا أن كلَّ المؤشّرات تفيد بأن هذا الرضا، عادة، جزئيّ ومبهم ومؤقت. وعلى العموم يتحمّل المرءُ الطبقة الحاكمة أكثر مما يُعجب بها. ولو كانت طبيعتنا مجرّد طبيعة ثقافية، لما كان هناك أي عائق لأن تطبعنا الأنظمة السياسية بطابعها، وأن نعترف بسلطتها علينا دون سؤال. لكن بما أنها تصطدم غالباً بصعوبات كبيرة، فهذا شاهد على دوافع مقاومةٍ متجذّرة في نفوسنا بشكل أعمق من أي ثقافة محليّة.

هل كان ماركس إذاً مفكّراً طوباويّاً ؟ نعم، إذا كان هذا يعني أنه صمَّم مستقبلاً أفضل، بما لا يقارن، من

الحاضر. فهو آمن بنهاية الفقر المادّي والمُلكية الخاصة والاستغلال والطبقات الاجتماعية والدولة كما نعرفها. وقد يعتقد اليوم مفكّرون كثيرون بإمكانية التغلّب على الفقر المادي، بالنظر إلى الموارد المتراكمة في العالم، مهما كان ذلك صعب التحقيق عملياً. لكن العائق الوحيد هو السياسة.

وكما رأينا، كان ماركس يرى أن التطوّر الفكري للبشر يسير بموازاة التقدم المادّي. وإذا كان الرجال والنساء متحرّرين من أنواع القهر كافّة، عندئذ يمكنهم أن يحققوا ذواتهم كأشخاص، ولا يوجد أي شيء في مؤلفاته مما قد يجعلنا نستنتج أننا سنصل إلى درجةٍ ما من الكمال. ففي إمكانية تمتّع الإنسان بحرّيته تكمن بالضرورة إمكانيةُ إساءة استخدامها. ولهذا يمكننا أن ننطلق من أن المجتمع الشيوعي سيعاني من الكثير من المشكلات، وأعدادٍ من النزاعات، وسلسلةٍ من المآسي التي لا يمكن إصلاحها. وسيكون فيه قتلُ أطفال، وحوادثُ سيارات، وروايات سيئة، ومآسٍ ناجمة عن غيرةٍ قاتلة وطموحٍ لا حدود له، وملابسُ لا ذوق فيها، وحزن عميق. وحتى المراحيض لا بد من أن ينظفها إنسان ما.

المهم في الشيوعية هو إرضاء احتياجات الجميع، ومع ذلك سيبقى في مجتمع الوفرة بعض الموانع والمحدِّدات. وفي هذا الصدد يقول نورمان جيراس) Norman Geras: (إذا كنت بحاجة إلى آلة موسيقية لتحقيق ذاتك (في الشيوعية) وكنتُ أنا بحاجة إلى دراجة هوائية، فهذا أمر طبيعي يُمكن تحقيقه. لكن عندما أطالب بمنطقةٍ شاسعة، لنقُل أوسترالياً، كي أتفسّح فيها بحرّية من دون إزعاج الآخرين، أو لاستثمارها كما يحلو لي، فهذا أمر غير طبيعي ولا يُمكن تحقيقه. ولا توجد أية وفرة يمكنها تحقيق مثل هذه الرغبات، ومن الواضح أن ذلك يسري أيضاً على أمور كثيرة أقلّ أهمية).

كما رأينا، ليس المستقبل عند ماركس مسألة تأمّل نظري عابث، بل هو استكمال ممكن للحاضر. ولا يهمه عندئذ الرؤى الشعرية من سلامٍ وأخوّة، بل الظروف المادية التي تسمح بتطوير مستقبل أفضل. وكمادّيّ نرى أنه يهتم بتحليل خصائص الواقع الراهن الناقص والمستعصي والمعقّد. وهذا الواقع لا يتوافق مع تصميمٍ كامل الأوصاف. ففي عالمٍ كامل يجب إلغاء جميع المصادفات، أي التطابق الزمني غير المحسوب حسابُه والمقدَّرات السعيدة والتعيسة والتأثيرات الأليمة غير الملحوظة، وباختصار جميع الوقائع التي تتألّف منها حياتنا اليومية.

وكأنه عالم يمكّننا من إقامة العدل للأموات والأحياء وإلغاء الجرائم والتعويض عن آلام الماضي. مثل هذا المجتمع مستحيل. وقد لا يكون مرغوباً فيه. لا يمكن لعالمٍ يخلو من حوادث القطارات أن يعالج مرضالسرطان بنجاح.

لا يمكن لمجتمعٍ أن يكون، وجميعُ البشر فيه متساوون. فالشكوى من أن الاشتراكية تجعلنا كلَّنا متساوين، تفتقر إلى أيّ أساس. ولم يكن ماركس يفكّر بشيء من هذا القبيل. بل إنه كان عدوّاً لدوداً للوتيرة الواحدة.

وقد اعتبر المساواة قيمة برجوازية بالفعل. ورأى فيها نقل، ما أطلق عليه اسم (القيمة التبادلية) حيث يتم تقدير قيمة بضاعة ما من أجل تبادلها مع بضاعة أخرى ذات قيمة مكافئة إلى عالم السياسة. وقد قال مرّة بأن البضائع هي _مساواة محقَّقة. وتحدّث في مناسبةٍ أخرى عن شكلٍ من شيوعيةٍ تتطلّب مساواة اجتماعية عامّة ووصفها في (المخطوطات الفلسفية الاقتصادية) بأنها (نفي مجرّد لعالم التعليم والثقافة

بكامله). وعلاوة على ذلك، فقد ربط ماركس مفهوم المساواة بما اعتبره مساواة مبهمة في الديمقراطية البرجوا زية، حيث تخدم مساواتُنا الشكليّة كناخبين ومواطني دولة في حجب عدم المساواة في المُلكية والانتماء للطبقة عن الأنظار. وقد رفض في (نقد برنامج غوتا) مبدأ المساواة في الأجر نظراً لأن لكل إنسان احتياجاته الخاصة به: (هناك من يعمل عملاً وسخاً أو شاقّاً وهناك من عليه إعالة عدد أكبر من الأطفال، إلخ...).

وهذا لا يعني أن ماركس قد رفض فكرة المساواة بالمطلق. فلم تكن من عادته أن يرفض أفكاراً لمجرّد أنها من إنتاج الطبقة البرجوازية. ولم ينظر أبداً بازدراء إلى مُثُل هذه الطبقة، بل كان مؤيّداً عن قناعة لقيمها الثورية العظيمة: الحرية وحق تقرير المصير والتطوّر على صعيد الشخص الفرد، حتى أنه اعتبر المساواة المبهمة آنفة الذكر تقدّماً عظيماً إزاء التراتبية التي كانت سائدة في عصر الإقطاع. لكنه آمن فقط بأن هذه المبادئ المستحبَّة لا يمكن تحقيقها في ظل الرأسمالية. ومع ذلك، فقد مدح الطبقة البرجوازية بأنها الطبقة الاجتماعية الأكثر ثوريّة في التاريخ، ومن الغريب أن خصومه من الطبقة البرجوازية يسهون عن ذلك ببساطة، وربّما يخافون من أنَّ أيَّ مديحٍ آتٍ من ماركس قد يعني قُبلة الموت بالنسبة لهم.

Admin
Admin

عدد المساهمات : 3153
تاريخ التسجيل : 05/03/2012

https://alhoriyatmaroc.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

لماذا كان ماركس محقاً؟!  Empty ...

مُساهمة  Admin الخميس يونيو 25, 2015 12:25 am

الماركسية حلم طوباوي يتصوّر إمكانية خلق مجتمعٍ لا عناء فيه ولا آلام ولا مظالم ولا نزاعات: ففي الشيوعية، لا وجود للتنافس وللأنانية وحب التملّك والتسابق وعدم المساواة. ولا أحد من الأعالي ولا أحد من الأسافل. ولا أحد يعمل، بل يعيش الناس في صفاء تامّ معاً، و سيلُ مستلزمات الحياة المادية يجري ولا ينضب. وهذا التصوّر الساذج الذي يدعو إلى العجب إنما ينبع من إيمان أعمى بطبيعة الإنسان الجيدة. أما طبيعة الإنسان الشريرة، فتبقى خارج قوس، كما يُهْمَلُ واقع الحال أننا مخلوقات أنانية وطمّاعة وعدوانية تحب التنافس، وأنه لا يمكن لأية طرائق اجتماعية، مهما كانت عميقة الأثر، تغيير شيء في هذا الواقع. ولذلك تعكس رؤية ماركس للمستقبل بهذا الشكل المفرط في التفاؤل، إجمالاً، بُعْدَ سياسته وسياسة أتباعه عن الواقع.

هل لا يزال يوجد لديكم في اليوتوبيا الماركسية حوادث سير؟ لقد اعتاد كلُّ ماركسي التأقلم مع أمثال هذا السؤال الساخر. وهو في الحقيقة يفضح جهل السائل أكثر مما يُفصح عن أوهام الماركسيّ. إذا فهمنا اليوتوبيا على أنها المجتمع الكامل، فإن (اليوتوبيا الماركسية) تناقض بحد ذاته.

في الأدبيّات الماركسية نجد العديد من الاستخدامات الأهم لكلمة (اليوتوبيا) .فقد ألّف وليم موريس، وهو واحد من الثوريين الماركسيين الأكثر شهرة في إنكلترا، قصة لا تُنسى عنوانها (أنباء عن اللامكان) حول اليوتوبيا التي فصّل فيها، بخلاف جميع الكتب التي اُلِّفت عن هذا الموضوع، كيفيّة حدوث عمليّة التحوّل السياسي. لكننا إذا انطلقنا من المعنى اليومي للكلمة، فإننا نجد أن ماركس لم يُظهر أدنى اهتمام بمستقبل خالٍ من الألم والموت والضياع والفشل والأزمات والنزاعات والمآسي، أو حتى من العمل. وهو لم يهتم في الواقع بصورة خاصة بالمستقبل، إذ من المعروف جداً أنه لم يُفصح في مؤلّفاته عن الكثير من مواصفات المجتمع الاشتراكي أو الشيوعي. ولهذا قد يستطيع منتقدوه أن يعيبوا عليه هذا الإبهام الذي لا يُغتفر، لكنهم لا يستطيعون، في الوقت ذاته، اتهامه بأنه زرع الأوهام عن المستقبل في العالم.

والرأسمالية في الواقع هي، وليست الماركسية، التي تتعاطى المستقبل على شكل بضائع تُسلَّم في مواعيد لاحقة ونُطلق عليها اسماً ذا دلالة، هو (المستقبليّات) أو Futures رفض ماركس في (العقيدة الألمانية) تصوّر أن تكون (الشيوعية مثلاً أعلى يجب على الحقيقة أن تهتدي به)، وإنما أن تكون بالأحرى (الحركة الحقيقية التي ستُلغي الوضع الراهن).

كما كان محرَّماً على اليهود سابقاً قراءة المستقبل، هكذا يصمت ماركس، اليهودي العلماني، عمّا يخبّئه لنا قادم الأيام. وكما رأينا، فلربّما اعتبر أن الاشتراكية قادمة لا محالة، لكن مما يُحيِّر العقول أنه لا يُفصح عن الكثير من تصوّراته عنها. هناك عدة أسباب لهذا التحفّظ. أولاً لأن المستقبل غير معلوم، وقد يصبح رسم تصورات عنه نوعاً من الكذب. وقد تُثير مثل هذه المحاولة الانطباع بأن المستقبل موجود في عالم ضبابيّ يجب اكتشافه. صحيح أن ماركس اعتبر أن المستقبل، من وجهة نظر معيّنة، قادم لا محالة، لكن المحال لا يعني بالضرورة الشيء المرغوب فيه. الموتُ أمر محتَّم أيضاً، ولكنه برأيي الأغلبية غيرُ مرغوبٍ فيه. قد يكون المستقبل محدَّداً مسبقاً، إلا أن هذا لا يبرّر الاعتقاد بأنه سيكون أفضل من الحاضر. والشيء المحتَّم هو أمر مزعج عادة. وهذا ما وعاه ماركس جيداً.

وهكذا قد يكون استقراء المستقبل أمراً ليس فقط لا معنى له، بل قد يكون أحياناً هدّاماً. والادّعاء بأن الإنسان يتحكّم حتى بمستقبله قد يُشيع شعوراً كاذباً بالأمن والأمان، ولكنها استراتيجيّة تحمينا من غوائل الزمن الحاضر بكلِّ ما فيه من نواقص ومنغِّصات. عندئذ يكون المستقبل نوعا من أنواع التميمة، أو الحجاب أو الصنم المُعزّي الذي نتعلّق به كما يتعلّق الطفل بلعبته الصغيرة. وهو قيمة مطلقة لن تخدعنا لأنها (كشبحٍ غير موجود) محصّنة ضد عواصف التاريخ، مثلُها مثلُ حضور الأرواح.

يمكن للإنسان أن يحاول احتكار المستقبل، كي يتحكّم بالحاضر. فعرّافوا زماننا الحاضر الحقيقيون ليسوا من المنبوذين البكّائين ذوي الشعور الطويلة الذين يتنبَّؤون للرأسمالية بالموت الشنيع، بل هم الخبراء الذين تُجنّدهم الشركات متعددة الجنسيّات والذين ينظرون إلى داخل أحشاء النظام ليؤكّدوا لسادته أن أرباحهم ستكون خلال العشر سنوات القادمة مضمونة تماماً. والنبيّ هنا هو كلّ شيء ما عدا أن يكون عرافاً. والاعتقاد أن أنبياء الكتاب المقدّس حاولوا استقراء المستقبل هو اعتقاد خاطئ. هم كانوا يطمحون إلى التشنيع بالجشع والفساد في الحاضر وأن يحذّرونا بأنه لن يكون لنا مستقبل إذا ما استمررنا في نهجنا الحالي. وماركس كان بهذا المعنى نبيّاً ولم يكن عرافاً.

كان لديه سبب آخر للابتعاد عن اقتراح تصاميم للمستقبل. فهي كانت متوافرة بكثرة آنذاك. وكانت كلُّها نتاج رؤوس المتطرّفين المفرطين في المثاليّة. فتصوّر أن المستقبل يسير إلى الأمام والأفضل وباتجاه التمام والكمال ليست فكرة يساريّة، وإنما هي فكرة مشاع لدى متنوّري القرن الثامن عشر الذين لم يشتهروا بإلقاء المواعظ لصالح الاشتراكية الثورية. وقد انعكس في هذا الإيمان بالمستقبل أملُ الطبقة الوسطى الأوربية في مرحلته الأولى التي غمرته بالنشوة. كان العقل متأهِّباً للتغلّب على الاستبداد، والعلمُ أزال الخرافات، والسلمُ أطاح بالحرب. وبالتالي، هكذا اعتقدوا، فإن كامل تاريخ الإنسانية (لم يقصد أغلب هؤلاء المفكّرين بهذه الإنسانية حقيقية سوى أوربا) سيُتوَّج أخيراً بالحرية والانسجام والرخاء الاقتصادي. ومن غير المحتمل أن الطبقة الوسطى البرجوازية الشهيرة كانت ستوافق على هذا الوهم المتعالي. وكما رأينا، فقد آمن ماركس بالفعل بالتقدّم والحضارة، لكنه اعتقد أيضا أنهما، حتى ذلك التاريخ على الأقل، صنوان لا يفترقان عن البربرية والتخلّف. ومع ذلك، لا نريد القول بأن ماركس لم يتعلّم شيئاً من المفكّرين الطوباويين من أمثال فوريه وسان سيمون وروبرت أوين. وحتى عندما كان يهاجمهم أحياناً بعنف، كان لا يتوانى عن توجيه المديح إلى بعض أفكارهم المدهشة بتقدّميّتها أيضاً. (طبعاً ليس كلُّهم، فوريه الذي ندين له بمفهوم (النسويّات)، والذي حدَّد بدقة الوحدة الاجتماعية ب 1620 شخصاً، اعتقد أن البحار ستنقلب في المستقبل إلى (ليمونادة). ماركس كان يفضل بالطبع النبيذ من نوع ريزلينغ.

وجَّه ماركس اعتراضه على آراء هؤلاء الطوباويين، خشية أن يقنعوا مؤيّديهم بقوة حججهم القائلة بأن الحياة في المجتمع ليست سوى صراع أفكار، وليست صراع مصالح مادّية. لذلك لاقى ماركس هذا الإيمان بالحوار الثقافي بالشكّ.

فقد كان واضحاً بالنسبة له أن الأفكار التي تهم الإنسان فعلاً هي الأفكار الناتجة عن حياته اليومية، وليس عن الخطابات السياسية أو الجدال في النوادي. وإذا أردنا أن نعرف ما يؤمن به الرجال والنساء، فعلينا أن ننظر إلى ما يفعلون، وليس إلى ما يقولون.

Admin
Admin

عدد المساهمات : 3153
تاريخ التسجيل : 05/03/2012

https://alhoriyatmaroc.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

لماذا كان ماركس محقاً؟!  Empty ...

مُساهمة  Admin الخميس يونيو 25, 2015 12:28 am

كتب ماركس في (المخطوطات الاقتصادية الفلسفية): (يتألّم الإنسان لأنه كائن حسّي، ولأن تكوينه يشعر بالألم، فهو كائن ذو شعورٍ جارف). والموت هو برأيه انتصار مخيف للنّوع على الفرد. كما كتب في ( الرأسمال) إنه لأمر مرٌّ بالنسبة للإنسان أن يستعجله الموتُ، وأن تكون حياته أقصر مما يجب، لأنه وجب عليه أن يقوم بأعمال شاقة أو يتعرض مبكّراً لحوادث أو أمراض أو انتهاكات. قد تستطيع الشيوعية إلغاء العمل الشاق، إلا أن ماركس لم يتصوّر أبداً مجتمعاً خالياً من الحوادث والانتهاكات والأمراض، أو بالأحرى من الموت.

لو لم يكن لدينا العديد من القواسم المشتركة الإنسانية، لكانت الرؤية الاشتراكية عن التعاون الدولي لا معنى لها. في الجزء الأول من (الرأسمال) يصف ماركس (الطبيعة البشرية بشكل عام، ثم .... طبيعة الإنسان المتغيِّرة وفق كل مرحلة تاريخية). يتمتّع الإنسان بالعديد من الصفات التي تكاد لا تتغيَّر عبر التاريخ، وهذا أمر يرفضه مجتمع مابعد الحداثة أو أنه يخفّف من و طأته باعتباره أمراً بديهياً. وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى أن لما بعد الحداثة حكماً مسبقاً غير منطقي ضد الطبيعة وعلم الأحياء (البيولوجيا)، وبالدرجة الثانية لأنها تفكّر أن أيّة إشارة إلى الحقائق الطبيعية هي بمثابة استراتيجية لإنكار التغيّر، وبالدرجة الثالثة إلى أنها تميل إلى اعتبار أي تغيّر شيئاً إيجابياً وأي ديمومة شيئاً سلبياً. وهي تتطابق في ذلك مع (محدِّثي) الحداثة الموجودين في كل مكان. إلا أن الحقيقة، المبتذلة في عين كلّ مثقّف، تقول بأن بعض التغيرات كارثيّة وأن بعض الديمومة أمر مرغوب فيه جدا . وعلى سبيل المثال، سيكون من المؤسف حقاً لو احترقت جميع مزارع العنب في فرنسا، وكذلك لو لم يستمر مجتمع خالٍ من العنصرية الجنسيّة في البقاء أكثر من ثلاثة أسابيع.

غالباً ما يتحدّث الاشتراكيون عن الاضطهاد والظلم والاستغلال. لكن لو لم تتعرّف الإنسانية على هذه الأمور، لما كان بإمكاننا أن نتعرّف على هذه الظروف، كما هي، ولبدت لنا وكأنها الحقيقةُ المسلَّم بها. ولربما لم يكن لدينا الكلمات اللازمة للتعبير عنها. فحتى ندرك معنى الاستغلال، يجب أن نستطيع تصوّر مجتمعٍ خالٍ من الاستغلال، من دون أن نلجأ إلى مفهوم الطبيعة البشرية، إذ يكفي أن نشير إلى وقائع تاريخية. ومع ذلك يمكننا القول لحدٍّ ما بأننا نملك بعض المواصفات التي منحتنا الطبيعةُ إياها والتي قد تعتبر مواصفة قياسيّة. فنحن نُولد على سبيل المثال (قبل الأوان). ولا نزال زمناً طويلاً بعد الولادة غير قادرين على الاعتماد على أنفسنا ولا بد من أن يعتني بنا آخرون. (يقول بعض المحلّلين النفسانيين بأن العديد من أمراضنا النفسية المعقّدة في عمر الشباب تعود إلى هذه الفترة الطويلة من الرعاية. ولو استطعنا كأطفالٍ حديثي الولادة الوقوف فوراً والمشي، لتجنّبنا الكثير من الآلام التي نعاني منها لاحقا في كبرنا، ويجب ألا يفهم من ذلك أن الأطفال سيكفّون عن إيقاظنا من نومناً ليلاً)ذ. حتى ولو أُسيئت معاملة الأطفال، فإنهم يدركون بسرعة معنى الاعتناء بالآخرين. ولربما كان ذلك أحد الأسباب التي تجعلهم يدركون لاحقاً لماذا تتخطّى طريقةُ عيش مجتمعٍ كامل الاحتياجات الإنسانية.

وبهذا المعنى يمكن لوعينا السياسي أن ينضج، لأننا وُلدنا قبل الأوان. يمكن للاحتياجات الضرورية لبقائنا على قيد الحياة، كالغذاء والدفء والرعاية والتمتّع بصحبة آخرين بلا عبودية أو تعسّف، أن تصبح أساساً للنقد السياسي، نظراً لأن أي مجتمع لا يفي بهذه الشروط يعتبر مجتمعاً قاصراً. ومن أجل انتقاد مثل هذه المجتمعات يمكن بالطبع اللجوء إلى العديد من العوامل المحلية والثقافية، إلا أن مجرّد الإشارة إلى أنها تُهمل هذه الحقائق الأساسية، يعتبر ذا تأثير أكبر. لذا من الخطأ القول بأن فكرة الطبيعة البشرية لا تخدم سوى الحفاظ على الوضع القائم. إذ يمكنها أيضاً أن تجعله حتماً موضع شكّ.

في مؤلّفاته المبكّرة كان ماركس يطرح وجهة النظر التي أصبحت في هذه الأيام مغضوباً عليها، القائلة بأن طبيعتنا كحيواناتٍ مادّية يمكنها أن تزوّدنا ببعض المؤشرات الهامّة عن كيفيّة حياتنا. يمكن، من وجهة نظر معيَّنة، أن نتوصّل عن طريق جسم الإنسان إلى قضايا ذات علاقة بالأخلاق والسياسة. إذا كان البشر كائنات تحقق ذاتها، فعليهم الحصول على حرّية إشباع رغباتهم والتعبير عن كفاءاتهم. وإذا كانوا حيوانات اجتماعية تعيش مع آخرين قادرين أيضاً على التعبير عن أنفسهم، فعليهم أن يتفادوا صدام هذه الكفاءات الهدّام والذي لا نهاية له. ويُعتبر ذلك واحدة من أصعب المهام التي يواجهها المجتمع الليبرالي الذي يعيش فيه أعضاؤه بحرّية مزعومة، حرّية يستخدمونها على الدوام لـ (خَوْزقة) الآخرين. وعلى العكس، تنظّم الماركسية الحياة الاجتماعية بحيث يستطيع كل فرد أن يحقق ذاته عن طريق تحقيق الآخرين لذواتهم. وفي هذا الصدد يقول ماركس في (البيان الشيوعي) بأن (التطوّر الحرّ لكل فرد هو شرط التطوّر الحرّ للجميع). وبذلك لا تعيب الاشتراكية ببساطة على المجتمع الليبرالي تحزّبه الحماسي للفرد، بل إنها تبني عليه وتكمّله وتبيّن في هذه الأثناء التناقضات التي تعاني منها الليبرالية (أي أن حرّية البعض لا تقوم إلا على حساب حرّية الآخرين)، وكيفيّة إزالتها. وبالمحصّلة لا يمكننا تحقيق ذاتنا إلا بواسطة الآخرين. وهذا يعني زيادة حرّية الفرد وليس الانتقاص منها. لا يمكن أن نتصوّر أخلاقاً أجمل من ذلك. على الصعيد الشخصي نسمّي ذلك حبّاً.

يجب أن نشير هنا إلى الأهميّة التي أولاها ماركس للفرد، نظراً لتناقض ذلك بوضوح مع التصوّرات الكاريكاتورية التي تُشاع حول هذه النقطة من مؤلّفاته. ولو صدّقنا هذه التصوّرات، لانصب اهتمام الماركسية على مجموعات غير واضحة المعالم تتجاهل احتياجات الأفراد الشخصية بلا أدنى رحمة. لكن، لا يوجد شيء أبعد من هذا عن تفكير ماركس. ويمكننا القول إن الهدف الوحيد لسياسته هو التطوّر الحرّ للأفراد، ما دمنا لم ننس أن هؤلاء الأفراد سيستفيدون من شكلٍ من أشكال التطوّر الجماعي. وهو الذي كتب في (العائلة المقدّسة) أن على كل فرد أن يستفيد من (المحيط الاجتماعي للتعبير عن مظاهر حياته الجوهرية). وهكذا يمكن القول إن هذه هي أخلاق ماركس من البداية وحتى النهاية. وهناك كل ما يبرّر الاعتقاد بعدم وجود مصالحة تامّة بين الشخص الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه. والحلمُ بإمكانية تشكيلهما وحدة عضوية سيبقى أُمنية بعيدة المنال. وسيبقى هناك خلاف بين رغباتي ورغباتك، وبين ما يُتوقَّع مني كمواطن وما أودّ القيام به في حياتي. وستبقى هذه التناقضات التي لا تعرف المهادنة موضوعاً للعديد من المآسي ولن يستطيع سوى القبر، وليس الماركسية، التغلّب عليها. وما قاله ماركس في (البيان الشيوعي) عن تطوّر الفرد لن يتحقق تماماً أبداً. وسيبقى هدفاً يسعى إليه الإنسان وليس وضعاً يمكن الوصول إليه، شأنه في ذلك شأن جميع الأفكار السامية. تبقى المُثُل العليا مرشداً على الطريق وليست أشياء محدَّدة، هي تعطينا الاتجاه. ومن يسخر من المثُل الاشتراكية، عليه أن يتذكّر أن فكرة السوق الحرّة لم تُطبَّق بحذافيرها أيضاً، إلا أن ذلك لا يزعج المتحزّبين للسوق الحرّة. وواقع الحال من أنه لا توجد ديمقراطية من دون بعض الأخطاء الجمالية، لا يجوز أن يجعلنا نختار بدلاً منها الاستبداد. ونحن لا نكفّ عن مساعدة الجياع في العالم، مع أننا نعرف مسبقاً أن بعضهم سيموت جوعاً قبل أن تصلهم المساعدة. هناك عدد غيرُ قليل، من بين أولئك الذين يعتقدون أن الاشتراكية غير قابلة للتطبيق، مقتنع بإمكانية القضاء على الفقر، وعلى مشكلة الاحتباس الحراري في العالم، وتأسيس الديموقراطية في أفغانستان، وحلّ جميع النزاعات عن طريق قرارات من منظمة الأمم المتحدة، وبإمكانية التغلّب على جميع هذه المشكلات العويصة بيُسرٍ وسهولة.

أما الاشتراكية، فتبقى لسبب سرّي غامض غير قابلةٍ للتطبيق.

Admin
Admin

عدد المساهمات : 3153
تاريخ التسجيل : 05/03/2012

https://alhoriyatmaroc.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

لماذا كان ماركس محقاً؟!  Empty ...

مُساهمة  Admin الخميس يونيو 25, 2015 3:13 pm

لا يواجه الماركسيون الآن، أبناءُ عصرهم الحصفاء، الأخلاق العالية بالشك، ولا المثاليّة الرخيصة بالحذر.

فبالريبة التي أصبحت طبيعتهم الثانية يبحثون عن المصالح المادية التي تختبئ وراء الخطابات السياسية الطنّانة، ويفضحون بعيون يقظة القوى الخبيثة التي تكمن في المواعظ الورعة والرؤى العاطفية. ويفعلون ذلك فقط من أجل تحرير الناس من هذه القوى لأنهم يعتقدون أن الظروف ستتحسّن بعد ذلك. وهكذا تتلاقى حصافتهم وإيمانهم بالإنسان. فالمادّي واقعي بحيث لا تستطيع الخطابات الطنّانة أن تغشّه، من ناحية، وهو يؤمن بشدة بأنه يمكن تغيير الظروف من دون تهكّم، من ناحية ثانية. وفي تاريخ الإنسانية، هناك توافقات أسوأ.

لنتذكّر شعار الطلاب اللاهب في شهر أيار (مايو) من عام 1968في باريس: (كن واقعياً واطلب المستحيل). على الرغم من المبالغة الهائلة، إلا أن هذا الشعار مصيب في الصميم. فما هو ضروري واقعياً لشفاء المجتمع من أمراضه يتخطّى قوّة النظام القائم الحاكم، وهو بهذا المعنى مستحيل. إلا أنه أمر واقعيّ تماماً أن يتغيّر العالم بشدّة من حيث المبدأ. ومن يتهكّم على إمكانية تغيير الظروف بشدّة إنما هو صاحب خيال بحت. والحالمون الحقيقيّون هم البشر الذين ينكرون إمكانية إحداث تغييرات بخطوات صغيرة فقط. وهذه البراغماتية الواقعية غير معقولة، كأن تقتنع إحداهنّ بأنها ماري أنطوانيت. هؤلاء البشر معرّضون لخطر أن يتجاوزهم التاريخ. وقد ادّعى بعض منظِّري الإقطاع على سبيل المثال أن نظاماً اقتصادياً (غير طبيعي) لا يمكنه أن ينجح أبداً. وهناك أيضاً البشر المغمومون الذين يكذبون على أنفسهم ويعيشون في توهّم أن الرأسمالية ستجلب، فقط بعد قليل من الوقت والمزيد من الجهد، الرخاء للجميع. والأمر لا يزيد بالنسبة لهم عن كونه مصادفة، أنَّ ذلك لم يحصل حتى الآن. فهم لا يدركون أن الظلم لا تنفصم عُراه عن الرأسمالية كالنرجسيّة وجنون العظمة عن هوليود.

يكتشف ماركس في الحاضر صراع مصالح مميتاً. لكن بينما ينصحنا مفكّر طوباوي ما بتجاوز هذا الصراع باسم المحبّة والإنسانية المشتركة، يختار ماركس طريقاً آخر تماماً. هو يؤمن أيضاً بالمحبة والإنسانية المشتركة ولكنه لا يرى تحقيقهما عن طريق تهيّؤات انسجامٍ كاذبة. لا يجوز أن يتنازل المستغَلّون والمسحوقون عن مصالحهم، وهذا ما يريده حكّامُهم، بل عليهم أن يدافعوا عنها بحزم. عندئذ يمكن أن يتشكّل مجتمع بعيداً عن المنفعة الذاتية، علماً أنه لا يوجد أدنى اعتراض على المنفعة الذاتية إذا كان البديل هو مدح القيود بعقليّة التضحية الذاتية الخاطئة.

يجد منتقدو ماركس أن التركيز على مصالح الطبقات أمر مستنكر. عندئذ لا يجوز لهم الادّعاء في الوقت ذاته بأنه يرى طبيعة الإنسان عبر نظّارة وردية، أي بشكلٍ مفرطٍ في التفاؤل. فقط عندما ننطلق من الحاضر غير المُجمَّل ونتعرّف على منطقه الدنيء، يمكننا أن نأمل في اختراقه والخروج منه. وهذا هو شأن المأساة التقليدية. يجب أن نقبل أن التناقضات هي جزء لا يتجزأ من طبيعة الرأسمالية ولا يجوز أن نستنكف، في موقفٍ من اللامبالاة، إذا ما أردنا استخدام جزء من الموارد، التي كدّسها النظام، لصالح الجميع. في هذه النقطة التي يتعطّل فيها منطق الحاضر ويدخل في طريق مسدود وتنفصم عراه، يكتشف ماركس بشكل مفاجئ تصميم مستقبل متغيِّر. صورةُ المستقبل الحقيقية هي فشلُ الحاضر.

يخالج الماركسية، هكذا ينتقد العديد من الناقدين، تصوّر في غاية المثاليّة عن الطبيعة البشرية، وأنها تحلم، ببلادة، بمستقبلٍ يتصرف فيه جميع البشر بشكل أخويّ وتعاونيّ، حيث سيزول فيه من على وجه الأرض والى الأبد التسابقُ والحسد والظلم والعنف والعدوانيّة والتنافس. في الواقع، قلّما نجد في جميع مؤلّفات ماركس كلمة واحدة يمكنها أن تدعم هذه النظرية الغريبة، بينما لا يرغب كثير من النقّاد في الرجوع إلى الوقائع حتى لا تفسد حججُهم. وهم يكتفون بالادّعاء بأن ماركس قد تنبّأ بحالةٍ من الفضيلة الإنسانية، أي ما يُسمّى بالشيوعية، التي يصعب حتى على الملاك جبريل أن يطبّقها بأمانة، ويسهو في ذلك عمداً أو إهمالاً عن الحالة النفسية غير الراضية على الدوام التي نطلق عليها اسم الطبيعة البشرية.

أجاب بعض الماركسيين على هذا الاتهام بأن ماركس، إذا كان يهمل الطبيعة البشرية، فلأنه لا يؤمن بهذه الفكرة. فهذا المفهوم لا ينفع سوى أن نبقى سياسياً في مكاننا. الإنسانُ مخلوق أنانيٌّ وفاسد وضعيف، كذا، وهو لا يتغيّر عبر التاريخ، بل هو الصخرةُ التي تتحطّم عليها كلُّ محاولة تغيير جذرية. (لا يمكن تغيير الطبيعة البشرية)، هذا هو أحد الاعتراضات الأكثر شيوعاً التي توجَّه ضد أيّة سياسة ثورية. ويردّ بعض الماركسيين على ذلك بأن سجيّة الإنسان ليست ثابتة. وقد أصبحنا على ما نحن عليه بسبب تاريخنا وليس بسبب طبيعتنا، وبما أن التاريخ هو التغيرات التي يرصدها، فإننا نستطيع تغيير أنفسنا عن طريق التأثير في ظروفنا التاريخية.

لم يعترف ماركس، بلا قيد أو شرط، بهذه الفكرة التي (جُعلت تاريخية). وهناك العديد من المواقع في مؤلّفاته التي يعترف فيها ب (الطبيعة البشرية)، وكان محقّاً في ذلك، كما قال (نورمان (جيراس) Norman Geras في كتيّبه الرائع، لأنه اعتقد أن هذا الاعتراف لا يضر بأهمية الفرد، بل على العكس من ذلك، فقد اعتبر ذلك علامة مميزة متناقضة لطبيعتنا المشتركة، وهي أن كلاً منا قد أصبح شخصية منفردة. وقد تحدث ماركس في مؤلفاته المبكّرة عن (جوهر نوع) الإنسان، وهذه هي رؤية مادّية عن الطبيعة البشرية. فنتيجة طبيعة جسمنا المادي أصبحنا حيواناتٍ محتاجة وعاملة واجتماعية وتحب الجنس والتواصل وقادرة على التعبير عن ذاتها، وتحتاج إلى الآخرين للبقاء على قيد الحياة وتجد الرضا عن نفسها في مجتمعها وبما يفوق فائدتها الاجتماعية. وإذا سمحتم لي، فأنا أريد أن أذكّر بما كتبتُه في دراسة سابقة: (إذا كان هناك كائن حيّ آخر يستطيع التكلّم معنا، ويشاركنا إنجاز عمل مادّي مّا، ويدخل معنا في علاقة جنسية، وينتج شيئاً كالفنّ من دون أن يكون له هدف محدَّد، ويستطيع أن يتألّم ويحكي النكات ويموت، فإننا نستطيع اشتقاق العديد من الاستنتاجات الأخلاقية والسياسية من هذه الحقائق البيولوجية). لم تعد هذه الفكرة، التي تعتبر علمياً سمة من سمات فلسفة علم الإنسان (الأنتروبولوجيا) عصرية في هذه الأيام. لكن ماركس تبنّاها تماماً في مؤلّفاته المبكّرة، ولا يوجد أي شيء يدلّ على أنه تخلّى عنها.

بما أننا مخلوقات ناطقة وعاملة وتوّاقة، فإننا نستطيع تغيير وضعنا في سياق هذه العملية التي نطلق عليها اسم (التاريخ). وسنتغيّر نحن خلال ذلك أيضاً. وبكلمات أخرى: التغيير لا يتعارض مع الطبيعة البشرية.

والتغيير ممكن لأننا كائنات خلاقة ومنفتحة وغير كاملة. وهذا لا يسري، حسب علمنا، على العِرْسان مثلاً ( Hermelin وهو حيوان صغير ذو فروٍ كثيف). فالعرسان ليس له تاريخ بسبب مواصفات جسمه المادية، كما ليس لديه سياسة، إلا إذا كان ما رآه في إخفائها عنا. ولن نخاف من أن جنس العرسان سيسيطر علينا يوماً ما، حتى ولو كانوا سيحكمون ربما بشكل أفضل من الحكّام الحاليين. وليس بإمكانهم، حسب علمنا مرّة أخرى، أن يكونوا ديمقراطيين اجتماعيين أو قوميين متطرّفين. أما البشر، فهم وفق تكوينهم حيوانات سياسية، ليس فقط لأنهم يعيشون في المجتمع مع آخرين، بل لأنهم أيضاً بحاجة إلى نظام ما لترتيب حياتهم المادّية. وهم بحاجة إلى هذا النظام من أجل تنظيم حياتهم الجنسية حتى لا تصبح العلاقات الجنسية مفجراً اجتماعياً خطيراً. فالشهوة الجنسية لا تعترف بالفوارق الاجتماعية، وهذا هو أحد الأسباب الذي يجعل الإنسان بحاجة إلى السياسة. كانت الطريقة التي اتّبعها الإنسان في إنتاج حياته المادّية دائماً مبنيّة على الاستغلال والظلم.

ومن أجل التحكّم بالنزاعات التي تنجم عن ذلك، لا بد من استنباط نظام سياسيّ. ونحن نتوقّع من الحيوان الإنساني أنه يمتلك إمكاناتٍ عديدة كي يتخيَّل كل هذه الأشياء بشكلٍ رمزي، بغض النظر عما نطلق عليها من أسماء: فنّ أو أسطورة أو عقيدة (إيديولوجيا).

نحن مزوَّدون، وفق ماركس، بكفاءاتٍ وقوى معيّنةٍ بفضل طبيعتنا المادية. كما نكون نحن إنسانيين جداً عندما نكتشف أن هذه الكفاءات هي هدف بحدِّ ذاتها، ويجب ألا نستخدمها من أجل تحقيق منفعة مشتركة.

تتعلق هذه الكفاءات والقوى بمستوى التطوّر الاجتماعي، لكن جذورها موجودة في أجسامنا، وبعضها لا يختلف تقريباً من ثقافة إلى أخرى. شخصان من ثقافتين مختلفتين ومن دون أن يتقن أحدهما لغة الآخر يستطيعان أن يتفاهما بسهولة في الأمور العملية. والسبب هو أن جسمهما الطبيعي، الذي يشتركان فيه، يُنتج فرضيّاته وتوقّعاته وعمليات التفاهم الذاتيّة. وهناك في جميع الثقافات حزن ووجد، عمل وجنس، صداقة وعداوة، اضطهاد وظلم، مرض وموت، علاقات قربى وفنّ. صحيح أن هذه الأمور قد تأخذ أحياناً طابعاً مختلفاً في الثقافات المختلفة، فالموت في مدراس هو شيء آخر عنه في مانشستر. لكننا جميعاً نموت.

Admin
Admin

عدد المساهمات : 3153
تاريخ التسجيل : 05/03/2012

https://alhoriyatmaroc.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

لماذا كان ماركس محقاً؟!  Empty ...

مُساهمة  Admin الجمعة يونيو 26, 2015 11:36 pm

يتمتّع العصر الرأسمالي الحديث بلا شكّ ببعض المزايا. فالعديد من ميزاته، بدءاً من إصلاح قوانين العقوبات، إلى التخلّص من القمامة بطرق صحيّة، إلى ضمان حرّية الرأي، كلُّها قضايا ذات أهميّة بالغة بحدِّ ذاتها، وليس فقط حتى تكون بشكلٍ أو بآخر مفيدة في مستقبل اشتراكي، إلا أن ذلك لا يؤدي بالضرورة إلى تبرير النظام لاحقاً. وحتى لو أنتج مجتمعُ الطبقات في النهاية الاشتراكية، لاستطعنا أن نقول بأن الثمن الذي دفعته الإنسانية لهذا الإنجاز السعيد كان باهظاً جداً. وكم من السنين على الاشتراكية أن تدوم، وكيف يجب أن تزدهر حتى تستطيع لاحقاً معادلة عذابات مجتمع الطبقات؟ أليست هذه المقاصصة مستحيلة كاستحالة تبرير معسكر الإبادة أوشفيتز. يقول الفيلسوف الماركسي ماكس هوركهايمر إن مسار التاريخ درب فوق آلام الأفراد وعذاباتهم. فيما بين هذين الأمرين الواقعين، هناك سلسلة من التفسيرات، لكن ليس هناك من مغزى يبرِّر.

لا تصلح الماركسية كوجهة نظرٍ عالمية محزنة، إذ تبدو خاتمتُها، الشيوعية، متفائلة جداً. لكن من يُهمل طابع هذه الفلسفة التاريخية المحزن، يسهو عن تعقيداتها العميقة. والحكاية الماركسية ليست محزنة بمعنى أن نهايتها سيئة، فليس بالضرورة أن تكون القصة سيئة حتى تكون نهايتها محزنة. وحتى لو وصل البشر في النهاية إلى السعادة، سيبقى الأمر المحزن أنه كان على الأجداد أن يمشوا عبر جهنّم، ليجعلوا الأحفاد يتمتّعون بما تم تحقيقه. كثيرون سيبقون مرميّين على قارعة الطريق، لا عزاء لهم، منسيّين. وبدون هبَّة، بالمعنى الحرفي للكلمة، لن نستطيع تعويض هؤلاء الملايين عن الآلام التي عانوها. ونظرية ماركس التاريخية هي بهذا المعنى تماماً مفجعة.

لخّص أيجاز أحمد هذه النقطة بدقة عندما عاين موقف ماركس من إبادة صغار الفلاحين، علماً أن وجهة نظر أحمد ذات معنى أعمّ حول مؤلّفات ماركس كلها، فيقول: (هناك شعور بالتمزّق الشديد والضياع الكامل. إنه مأزق أخلاقي لا يمكن الموافقة عليه، بدون قيد أو شرط، لا على القديم ولا على الجديد، إنه رؤية أن الضحايا تتصرّف بشكل لائق وجدير بالنقد، وهو أيضاً رؤية أن تاريخ الانتصارات والهزائم إنما هو في الواقع تاريخ طرق الإنتاج، وبصيصُ أملٍ في أنه قد ينجم عن هذا التاريخ الذي لا يرحم شيء جيّد في النهاية). يجب ألا تكون المأساة (التراجيديا) بالضرورة بدون أي أمل، لكن عندما تسمح لنفسها ببعض التفاؤل، فيجب أن يكون ذلك بوجل وارتعاش وسحنةٍ متجمّدة من الخوف.

هناك نقطة أخرى تستوجب الذكر. يعتقد ماركس، كما رأينا، أن الرأسمالية ضرورية بالنسبة للاشتراكية. لكن هل هذا صحيح أيضاً؟ ماذا لو حاولنا لدى تطوير القوى العاملة من مستوى متدنٍّ جداً أن نتصرّف وفق القيم الديمقراطية الاشتراكية قدر الإمكان؟ لا شك أنها مهمة صعبة جداً. ومع ذلك ابتغى هذه المحاولة بعضُ -أعضاء المعارضة اليسارية في روسيا البلشفية. ومع أن هذه التجربة قد فشلت، إلا أن هناك العديد من القرائن التي كانت قد تجعلها في هذه الظروف الاستراتيجية الصحيحة. وماذا كان سيحصل فيما عدا ذلك لو لم تصل الأمور إلى الرأسمالية؟ ألم يكن للإنسانية أن تجد طريقاً أقلَّ وحشية، من أجل تطوير ما اعتبره ماركس إنجازاتها العظيمة: رخاء مادي، إمكانات خلاقة لا تُعد ولا تُحصى، تقرير مصير، نهضة ثقافية إلخ...إلخ؟ ألم يكن بإمكان المسار الآخر أن ينجب أيضاً عباقرة من أمثال رفائيل وشكسبير؟ لنتذكّر فقط زمن ازدهار الفنون والعلوم في الحضارات القديمة في اليونان ومصر وبلاد فارس والصين والهند وما بين النهرين وفي أماكن أخرى. هل كانت الحداثة الرأسمالية ضرورية فعلاً؟ كيف نقارن قيمة العلوم الحديثة وحرّية الإنسان مع الإنجازات الفكرية لمجتمع قبليّ؟ هل يمكن الموازنة بين الديمقراطية والمحرقة؟

سيتبيّن لنا أن القضية ليست ذات طبيعة أكاديمية. لنفرض أن قليلين منّا قد نجوا بأنفسهم من كارثة نووية أو بيئيّة، وبدأوا بالمهمة المثبِّطة في إعادة بناء الحضارة. وبما أننا نعرف أسباب الكارثة، أليس بالحريّ فينا أن نجرّب هذه المرّة طريق الاشتراكية؟!

Admin
Admin

عدد المساهمات : 3153
تاريخ التسجيل : 05/03/2012

https://alhoriyatmaroc.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى