منظمة الحريات للتواصل بين موظفي قطاع العدل بالمغرب
مناضلون بلا عنوان
مناضلون في أيّ مكان
نكتب سير الأبطال للأطفال
نحلم بالورد والخبز والزيت
وكتب الحب والنار
ورسم العصافير والتذكار
وعشق المطر والأزهار
مناضلون مناضلون
ماالذي يحوِّل الكفّ قذيفة
والقلب ترابا ورغيفا
ما الذي يجعل الضلوع خنادق والكلمات بنادق
غير حزن الكادحين
مناضلون مناضلون
إننا نسير نسير...لنفك قيد الوطن الأسير

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

منظمة الحريات للتواصل بين موظفي قطاع العدل بالمغرب
مناضلون بلا عنوان
مناضلون في أيّ مكان
نكتب سير الأبطال للأطفال
نحلم بالورد والخبز والزيت
وكتب الحب والنار
ورسم العصافير والتذكار
وعشق المطر والأزهار
مناضلون مناضلون
ماالذي يحوِّل الكفّ قذيفة
والقلب ترابا ورغيفا
ما الذي يجعل الضلوع خنادق والكلمات بنادق
غير حزن الكادحين
مناضلون مناضلون
إننا نسير نسير...لنفك قيد الوطن الأسير
منظمة الحريات للتواصل بين موظفي قطاع العدل بالمغرب
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» الرقمنة والمخطط التوجيهي لرقمنة العدالة بالمغرب
العــــــولمة والتـــــــعاون الـــــــــدولي :مشاركة أم استغلال..؟  Emptyالجمعة يناير 21, 2022 4:24 pm من طرف Admin

» تحديث الإدارة القضائية و جودة خدمات العدالة
العــــــولمة والتـــــــعاون الـــــــــدولي :مشاركة أم استغلال..؟  Emptyالجمعة يناير 21, 2022 4:20 pm من طرف Admin

» بيني و بينك ســـجـــر الـــبـــن
العــــــولمة والتـــــــعاون الـــــــــدولي :مشاركة أم استغلال..؟  Emptyالخميس يناير 13, 2022 4:21 pm من طرف Admin

» موسيقى بتردد 741 هرتز للتخلص من الأمراض والتشافي وتنظيف طاقة الجسم من السموم
العــــــولمة والتـــــــعاون الـــــــــدولي :مشاركة أم استغلال..؟  Emptyالجمعة ديسمبر 31, 2021 4:39 pm من طرف Admin

» QCM صندوق التكافل العائلي شروط و مساطر الإستفادة
العــــــولمة والتـــــــعاون الـــــــــدولي :مشاركة أم استغلال..؟  Emptyالخميس ديسمبر 02, 2021 2:35 pm من طرف Admin

»  QCM وحدة التبليغ و التحصيل
العــــــولمة والتـــــــعاون الـــــــــدولي :مشاركة أم استغلال..؟  Emptyالخميس ديسمبر 02, 2021 2:25 pm من طرف Admin

» التبليغ في قانون المسطرة المدنية
العــــــولمة والتـــــــعاون الـــــــــدولي :مشاركة أم استغلال..؟  Emptyالأربعاء ديسمبر 01, 2021 12:05 pm من طرف Admin

» QCM متنوع_5_
العــــــولمة والتـــــــعاون الـــــــــدولي :مشاركة أم استغلال..؟  Emptyالأربعاء ديسمبر 01, 2021 9:24 am من طرف Admin

» QCM متنوع_4_
العــــــولمة والتـــــــعاون الـــــــــدولي :مشاركة أم استغلال..؟  Emptyالأربعاء ديسمبر 01, 2021 9:23 am من طرف Admin

يناير 2022
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
     12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31      

اليومية اليومية

التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني



المشاركات التي حصلت على أكثر ردود أفعال في الشهر

العــــــولمة والتـــــــعاون الـــــــــدولي :مشاركة أم استغلال..؟

اذهب الى الأسفل

العــــــولمة والتـــــــعاون الـــــــــدولي :مشاركة أم استغلال..؟  Empty العــــــولمة والتـــــــعاون الـــــــــدولي :مشاركة أم استغلال..؟

مُساهمة  Admin الأربعاء يناير 30, 2013 3:41 pm

الحمــــد لله رب العالمين .. الذي كرمنا فبوأنا مواقــــع الوســــطية بين الأمم .. وشرفنا فأسند إلينا مهمة الشهود الحضاري على الناس .. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين .. إمامنا وقدوتنا وقرة أعيننا نبينا ورسولنا المصطفى سيدنا محمد بن عبد الله .. رافع لواء العالمية العادلة في الأرض .. ورائد العولمة الراشدة بين العباد .. وأصلي وأسلم على آل بيته الغر الميامين الأطهار .. وعلى جميع أصحابه الأخيار الأبرار .. أئمة الهدى والرشد من بعده . . أما بعد :
تحدث الناس كثيراً عن العولمة ولا يزالون .. ومن حقهم بل من واجبهم أن يتحدثوا وأن يطيلوا الحديث بهذا الشأن فالأمر جد مهم وجلل .. إلا أن غالب المتحدين والباحثين ركز بشأن العولمة على نقد العولمة الجارية موضحين مخاطرها وسلبياتها على حاضر ومستقبل المجتمعات الدولية .. مع دعوتهم إلى مقاومتها ورفضها باعتبارها مفسدة عالمية .. وهذا أمر مفيد وواجب محمود ومشكور .. ولكن لم يقل لنا أحد من الباحثين رأيه في العولمة من حيث المبدأ والمشروعية .. ولم يعلن أحد إلا القليل وربما النادر عن قبوله للعولمة من حيث المبدأ .. مع نقد موضوعي يتناول تحديد سلبيات العولمة الجارية - وهي كثيرة ولا شك – ومن ثم كيفية معالجتها ومواجهتها .. مع إبراز الإيجابيات – على قلتها وربما ندرتها - وكيفية تشجيعها والعمل على تأكيدها وتنميتها .. وللأسف فإنني لا أعلم كذلك – بحسب اطلاعي – أن دراسة أو رؤية شرعية ظهرت حتى الساعة , توضح للأجيال البشرية موقف الإسلام من مسألة العولمة , من حيث مشروعيتها وموقعها من الإسلام , وهل هي من المسائل المعاصرة المقبولة والمفيدة ؟ وما هي علاقتها بالعالمية التي تحدث المسلمون عنها كثيراً ويفخرون – ولما لا ..! فمن حقهم أن يفخروا - فالإسلام هو الرسالة العالمية الفريدة ذات السبق التاريخي المبكر , التي تحولت بالخطاب الحضاري البشري من مفرداته الإقليمية والقومية , إلى آفاقه العالمية والبشرية ( يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً.. الآية ) , وقدمت منهاجاً وبرنامجاً عملياً لتخرج به الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .. ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة .. أجل أن الخلل الكبير والعبث المرعب الذي يمارس اليوم بحق المجتمعات الدولية باسم العولمة , أمر مرفوض ومستنكر ينبغي وضع حد له ومقاومته بالحجة والبرهان عبر الحوار, لإنقاذ البشرية من كوارثه ودماره .. والعمل على تبرئة العولمة ومقاصدها النبيلة من عبثه وظلمه وفساده .. وهذا بتقديري يحتاج إلى موقف شرعي واضح وموضوعي , ينهي حالة الجدل بشأن هذه المسألة على المستوى الفكري والتطبيقي .. ويوضح فيما إذا كانت العولمة ظاهرة بشرية طارئة و مفتعلة لأهداف سياسية ما ؟ أما أنها نتيجة طبيعية لتطور العلاقات البشرية وتناميها عبر الزمان والمكان ؟ وهل هناك علاقة بين النظام العالمي والعولمة ؟

وبعد التأمل والمراجعة الممكنة وفي إطار المتاح من المعلومة والأدلة التي تضمنتها هذه الورقة المختصرة.. أستطيع أن أقول أن العولمة أمر مقر من حيث المبدأ في رسالة الإسلام العظيم .. وأنها من مقاصدها العالمية ووسائلها , وأنها مطلب ملح من أجل تصريف عادل للمصالح المشتركة للمجتمعات البشرية .. ولتعميم الخير والنماء والسلام بين الناس جميعاً .

فالعولمة أو العلممة أو الكوننة أي ما يجعل الأمر عالمياً أو كونياً .. إنما هي بفهمي تعميم الخير بكل جوانبه المادية والمعنوية بين الناس .. وبالتالي أليس تعميم الخير ونشر الفضيلة في العالمين من مقاصد رسالة الإســــــلام العــــالمية وغاياتها العليا في تحقيق الأمن والاستقرار للناس جميعاً ؟

والعالمية والعولمة أمران متلازمان متكاملان ، فالعالمية قيم وخلق.. والعولمة تطبيق وأداء ، والعالمية مبادئ ومثل وسلوكيات ، والعولمة تفعيل وتنفيذ لنظم المصالح بين المجتمعات . والعالمية بدون عولمة راشدة تبقى آمال وتطلعات ، والعولمة بدون نظام عالمي عادل تبقى عرضة للعبثية والتخبط وسبيل للهلاك والدمار ، لذا فإن العالمية والعولمة طرفا المعادلة الصحيحة المتزنة لحركة الإنسان في مهمة عمارة الأرض ، وإقامة العدل ونشر الفضيلة والأمن في أرجائها . وبقدر ما تنتظم العلاقة وتتوثق بين العالمية العادلة والعولمة الراشدة ، بقدر ما ينتظم السير الصحيح في الأرض ، وبقدر ما يتحقق التفعيل الإيجابي لمكنونات الكون لصالح كرامة الإنسان وأمنه ورفاهته ، وعلى هذا الأساس فإن الإسلام جاء من وراء أربعة عشر قرناً ونيف ليقرر العالمية العادلة والعولمة الراشدة ، ولينشئ العلاقة الموضوعية الوثيقة بينهما ، بعد أن قرر التحول بالنهج البشري من القومية إلى العالمية) قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً ( ، والتوسع بمصالح الناس والنفع العام من الخصوصة إلى العولمة ، على أساس من التبادل العادل للمنافع ) الناس شركاء في ثلاثاء .. الماء والكلأ والنار ( ، ( خير الناس من ينفع الناس ( .

وبعد أن قرر قاعدة التدافع والتعاون البشري من أجل صرف الفساد عن الأرض وإقامة الأمن فيها ) ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ) ، وبذلك يكون الإسلام قد أحدث تحولاً جذرياً في حياة الناس ، وهو يرتقي بهمومهم واهتماماتهم ومسؤولياتهم من المستوى القومي والإقليمي إلى المستوى الأممي والعالمي ، مقرراً وحدة الأسرة البشرية وتكامل مصالحا وأمنها ، وأن الأرض سكنهم المشترك ، ينبغي المحافظة على سلامتها وعدم إفسادها ، وأنها خزانة رزقهم ، عليهم أن يحسنوا استخدام مفاتيحها ، وأن يتقنوا فنون ومهارات تفعيل مخزوناتها ، وعليهم أن يلتزموا قيم العدل والإحسان في نظم ومعايير الانتفاع بمسخراتها ، بما يحقق كرامة الإنسان وأمنه وكفايته.

ومما ينبغي أن يتنبه إليه المسلمون ، وأن يعرفه الناس من حولهم هو أن الإسلام عقدية , وشريعة , ورسالة ، فلأن كانت العقيدة تمثل مرتكزات وثوابت ومنطلقات خصوصية الهوية الدينية الصحيحة للمسلمين ، فإن الشريعة تمثل مرتكزات ومنطلقات تسيير وإدارة حياتهم , وأن الرسالة تمثل قيم ومنطلقات عالمية وعولمة المنهج الرباني المحكم لعمارة الأرض وإقامة العدل والأمن ، وتحقيق المصالح المشتركة بين الناس على اختلاف انتماءاتهم القومية والعرقية والجنسية واللونية والدينية ( ولا يجر منكم شنئان قوم على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى ). . ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم قيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم فينبئكم فيما كنتم فيه تختلفون )

وعلى أساس من ذلك فإن الإسلام يقرر :

· أن الناس جميعاً شركاء في مهمة الاستخلاف الرباني للإنسان في عمارة الأرض ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).

· وأن الناس جميـعاً مؤهلـون خلقة ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) ، ومهيئون فطرة لأداء هـذه المهمة ( وعلّم آدم الأسماء كلها ) . . ( ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ).

· وأن الناس مكلفون بالتعاون لتحقيق عمارة آمنة للأرض ( وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) .

· وأنهم مدعوون للتكامل والتعارف ، من أجل إنجاز شامل وعادل لمهمة الاستخلاف الرباني ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) .

· وأن الناس شركاء في الانتفاع العام بنتائج سيرهم وكدحهم لعمارة الأرض ، وبكلمة أخرى هم شركاء في الانتفاع بثمرات العطاء الحضاري التكنولوجي والصناعي والزراعي والحيواني ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه ) .. ( فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور .. الآية ) ولكن ذلك كله وفق قواعد ومعايير احترام حق التملك ، والتزام ضوابط ومعايير نظم وآليات الانتفاع المتبادل العادل .

وبعد أليس من الموضوعية والمشروعية أن يستوقفنا سائل ليسأل : ما هو الأمر الملح و المطلوب من الناس على أساس مما ذكر آنفاً من أجل الوصول بالمجتمعات البشرية إلى عالمية عادلة وعولمة راشدة … ؟

والجواب باختصار ما يلي :

أولاً : العمل معاً على تجديد القيم الروحية والأخلاقية وبعث روح المسؤولية بين الأجيال البشرية .

ثانياً : إعادة التوازن بين حركة العلوم والتكنلوجيا من جهة وبين القيم الأخلاقية والدينية الربانية من جهة أخرى , من أجل ضبط حركة الانتفاع بثمرات الناتج المعرفي ، لتكون في صالح كرامة الإنسان وسلامة البيئة والتعايش البشري الآمن .

ثالثاً : اعتماد الحـوار الجـاد بين الحضــارات كأسـاس للتعارف من أجل :

1. أن يتعلم الناس كيف يتعامل كل منهم مع الأخر وكيف يجّل الجميع كرامة الإنسان .

2. أن تكتشف القيم المشتركة وتراعى الخصوصيات الثقافية في سبيل تحقيق تعايش آمن .

3. العمل معاً لمنع العدوان والاضطهاد والظلم بين الناس .

4. التأكيد على أن الأسرة المؤسسة على التزاوج الشرعي بين الرجل والمرأة هي الوحدة الأساس في بناء المجتمعات الآمنة .

5. التأكيد على أن الأسرة وحدة اساسية من مؤسسات المجتمع المدني وأنها المصدر الأكفأ لأجيال مسؤولة ومنتجة .

6. التأكيد على أن المسؤولية المشتركة بين الرجل والمرأة في ميادين الحياة يجب أ ن تقوم على أساس من التكامل المنصف بينهما .

7. العمل معاً على إقامة العدل الرباني بين جميع الناس على اختلاف أقوامهم وأجناسهم ومعتقداتهم وألوانهم .

8. العمل على إزالة خلل التوازن بين حقوق الإنسان وواجباته ، لإنهاء حالة الخلل الاضطراب في مسيرة الحضارة البشرية .

9. العمل على مساعدة الفقراء لتحرير أنفسهم من الظروف القاسية التي تتنافى مع كرامة الإنسان ووشائج الأخوة الإنسانية .

10. العــمل على إنهاء ظاهرة التعامل بالمعــايير المزدوجة إقليمياً ودولياً .

11. العمل على إزالة العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية لاستفحال ظاهرة العنف والإرهاب في العالم .

12. التأكيد على ضرورة السير معاً بسلام ووئام على أساس من إرادة الله تعالى وطاعته لحماية المجتمعات البشرية من الكوارث والفقر والجهل . ووقف ظاهرة التدهور الأخلاقي والتفسخ الأسرى ، ووضع حد لمروجي منهجية الحروب وتكنولوجيا أسلحة الدمار الشامل ، وإلا سيكون الناس عرضة لمزيد من الهلاك والدمار .

أجل إن التجديد الديني للقيم الربانية ، والضبط التكنولوجي والمعرفي ، والحوار الثقافي والحضاري بين الناس ، هي من الضرورات الملحة من أجل الوصول إلى نظام عالمي عادل وعولمة راشدة آمنة .

ونحن المسلمين إذ نقول بذلك كله لا ننطلق من فراغ .. بل نستند على أساس صلب ومرجعية عظيمة رسم معالمها وأبان سبل نهجها كتاب الله العظيم وسنة رسوله المبعوث رحمة للعالمين سيدنا وإمامنا الهادي البشير نبينا ورسولنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه , عبر ثلاثة مواثيق متلازمة ومتكاملة هي الفريدة في نوعها وسبقها على مدار التاريخ البشري كله وهي :

أولاً - الميثاق الوطني أو ( العقد الاجتماعي الوطني ) الذي تضمنته الوثــيقة المشــهورة فــي كتب السيرة ( بصحيفة المدينة ) ، والتي تعتبر بحق أول ميثاق للمواطنة في التاريخ البشري ، يقنن ويؤصل لعهود ومواثيق المواطنة المشتركة ، في إطار التنوع الديني والثقافي ، ومما تضمنته تلك الصحيفة من قيم ومبادئ :

1. أن المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والعرقية أمة واحدة من دون الناس .

2. وأن الحرية الدينية مكفولة لكل مواطن .

3. وأنــهم متضامنون ومتكافلون في الحرب والسلم .

4. وأنهم جميعاً مسؤولون عن رد العدوان وحفظ سيادة الأوطان .

5. وأن عليهم النصح والبر، فيما ليس فيه إثم .

6. وأن الجــــــار كالنفـــس ، غيـــر مضــار فـــي أمنه وكرامته .

فهذه القواعد السالفة الذكر ، وغيرها مما يحفل بها القرآن الكريم والسنة المطهرة ، تكّون بتكاملها المنطلق الأساس لعقد المواطنة في نظام الإسلام وشرعته ، الذي يؤكد أن المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والقومية والعرقية ، هم أمة واحدة تتساوى مصالحهم، وتتكامل حـــقوقهم وواجباتهم ، وأن أمنهم واحد ، ومصيرهم واحد ، من غير تمايز ولا تفاضل بينهم إلا بالعمل الصالح ، وميثاق المواطنـة ( العقد الاجتماعي الوطني ) في الإسلام يقوم على ما يلي :

أ - دين الدولة : الإسلام ( دين الأكثرية ) ، والقرآن والسنة النبوية المطهرة هما المصدر الأساس والوحيد لمنطلقات وثوابت الشريعة الإسلامية ، والإسلام هو أساس الهوية الثقافية والحضارية للمجتمع .

ب – عقد الإيمان : وهو عقد رباني بين الله تعالى وبين المواطنين المسلمين ( حكاماً ومحكومين ) ، يلتزم الجميع بموجبه بإنفاذ شريعته سبحانه في تحقيق مصالح المواطنين ، وإقامة العدل بينهم ، وصون كرامتهم ، وتوفير أسباب رزقهم وأمنهم واستقرارهم .

ج – عقد الأداء : وهو عقد بين الحاكم والمحكومين من المسلمين ، يلتزم الجميع بموجبه بإنفاذ ما اتفقت عليه إرادة الأمة ، من قيم ومبادئ ونظم وأعراف وتقاليد مثل ( الدستور وغيره ) ، في إطار عقد الإيمان وما تضمنه من ثوابت ومنطلقات ، والعمل معاً على تحقيق مصالح الناس وصون البلاد وأمنها واستقرارها وسادتها .

وهذا يعني ويؤكد بوضوح ما يلي :

1 - أن الله تعالى : على أساس من (عقد الإيمان ) هو المصدر الوحيد لثوابت ومنطلقات التشريع في المجتمع المسلم ( مجتمع الأكثرية ) .

2 – أن الحاكم على أساس من ( عقد الإيمان ) ، والتزاماً بعقد ( الأداء ) : مسؤول أمام الله تعالى ، ومسؤول أمام الشعب عن التزام وتطبيق شريعة الإسلام ، والتزام وإنفاذ ما اتفقت عليه إرادة الأمة من مواثيق ونظم ( الدستور وغيره ) ، والعمل بأمانة وإخلاص على إقامة العدل بين الناس جميعاً .

3 – أن الشعب على أساس من ( عقد الإيمان ) والتزاماً بما ينص عليه ( عقد الأداء ) ، مطالب بالسمع والطاعة لولي الأمر من غير معصية الله ، ومن غير ما يتعارض ويتناقض مع مواثيق عقد الإيمان وعقد الأداء ، ومطالب كذلك بتحمل مسؤولياته في إعانة الحاكم ( ولي الأمر ) وبذل النصح والمشورة له بما يعينه على أداء مهامه ومسؤولياته وواجباته ، وفق عقد الإيمان وعقد الأداء ، وبما يحقق مصالح المواطنين وأمن البلاد وسيادتها وارتقائها .

4 – يتحمل الحاكم مسؤولية استشارة المواطنين ، وإشراكهم في تحمل مسؤولياتهم في اتخاذ القرارات المصيرية ، المتعلقة بمصالحهم وأمن البلاد وسيادتها ، وإنفاذ ما جاء في عقد الإيمان وعقد الأداء .

والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا .. وماذا عن موقع المواطن غير المسلم في ميثاق المواطنة ( العقد الاجتماعي الوطني ) في الإسلام ..؟

ونجيب فنقول : وحيث أن المظنة بأهل الإيمان بالله تعالى أياً كانت طبيعة اعتقادهم ، أنهم من حيث الأصل والمبدأ يحرصون على تحقيق إرادة الله تعالى ومرضاته ، وعلى أساس من هذا الظن الحسن أعتقد أن العقد الاجتماعي في الإسلام يتسع بكل موضوعية وجدية للمواطنين غير المسلمين في ضوء التوضيح التالي :

أحسب ( أولاً ) أن عقد الإيمان يتسع لهم ، باعتبار أن ثوابت الشرائع الربانية التي جاء بها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام متكاملة ، ولا تصادم ولا تناقض بينها من حيث الأصل ، وقد أكدت جميعها على إقامة العدل ، وكرامة الإنسان وحريته ، وعلى الحب والتسامح في مرضاة الله ، والتعايش الآمن بين الناس ، وعلى سلامة البيئة وعدم إفسادها ، وحثت على استثمار ما في السماوات والأرض لصالح كرامة الإنسان وصون حياته ، والشريعة الإسلامية تؤكد على ذلك كله ، وعقد الإيمان هو الضامن والحارس الوجداني لتحقيق هذه القيم الربانية وغيرها من أجل صون كرامة الناس جميعاً .

ويتسع ( ثالثاً ) لفعالياتهم وممارسة حقوقهم وأداء واجباتهم ، باعتبار أن كل مواطن من حيث الأصل والمبدأ يحرص على :

1 – حرية اعتقاده وممارسة عبادته .

2 – احترام خصوصياته وحقـه بالاحتكـــام إلى قيمـــه

الدينية فيما يتعلق بشؤونه الشخصية .

3 – تأمين مصالحه الدنيوية دون الإضــرار بمصالــح

غيره ، ومن دون انتقاص أو تمييز .

4 – تحقيق طموحاته وآماله الشخصية والوطنيـة فـــي

سياق المصالح العامة للمواطنين .

5 – العيش بكفاية وأمن واستقرار .

6 – المشاركة في خدمة بلده ، والمحافظـــة على أمنـه

واستقراره وسيادته .

وباعتقادي أن ذلك كله وغيره مضمون ومكفول في العقد الاجتماعي في الإسلام ، ولمزيد في التوضيح نقول : أن الإسلام كما هو معلوم عقيدة وشريعة .

والعقيدة : وهي التي تمثل الخصوصية الدينية للمسلم .. فقد حسم الإسلام أمر الآخرين معها بقول الله تعالى : ( لكم دينكم ولي دين ) ، أي أن المواطن غير المسلم في المجتمع المسلم له حرية الاعتقاد وله حرية ممارسة العبادة .

أما الشريعة : فهي تتكون بصورة رئيسة من شقين اثنين :

1 – قواعد وأحكام ومبادئ تتعلق بالأحوال الشخصية .

2 – قواعد ومبادئ ونظم وضوابط تتعلق بالحياة العامة للناس .

فما يتعلق بالأحوال الشخصية ، فقد حسم الإسلام أمر المواطنين غير المسلمين بشأنها ، بأن أعطاهم حق التحاكم في ذلك إلى شرائعهم الخاصة إن رغبوا .

أما ما يخص الجزء من الشريعة الإسلامية المتعلق بالحياة العامة ، ونظم ومبادئ تصريف مصالحها ، فإن المواطنين غير المسلمين شأنهم في ذلك شأن المواطنين المسلمين ، فهم جميعاً سواء دون تمييز ، تحكمهم جميعاً مواثيق الأمة ولوائحها الدستورية ، وعلى أساس مما سلف ، لا أرى أن هناك أدنى إشكالية للمواطنين غير المسلمين مع الشريعة الإسلامية وميثاق المواطنة ( العقد الاجتماعي الوطني ) .

ثانياً - الميثاق العالمي أو( العقد الاجتماعي العالمي ) , الذي تضمنته الوثيقة المعروفة والمشهورة في كتب السيرة ( بخطبة حجة الوداع ) ، التي أصلت وأسست لأول ميثاق عالمي ، يرسم القواعد والمبادئ الجامعة لسياسة دولة الإسلام الراشدة في مستواها العالمي ، ويقنن للمعايير والضوابط المنصفة للتعايش البشري الآمن ، في إطار التنوع القومي والعرقي واللوني والجنسي والديني ، وكان من أبرز ما جاء بخطبة الوداع أو الميثاق العالمي ( العقد الاجتماعي العالمي ) :

1. أيها الناس إن أباكم واحد .. تأكيداً على وحدة الأسرة البشرية .

2. أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام .. تأكيداً أيها الناس إن ربكم واحد .. تأكيداً على وحدة مصدرية الإيمان.

3. على قدسية حياة الإنسان وممتلكاته .

4. أيها الناس إن الله قد قضى أن لا ربا.. تأكيداً على الأمن الاقتصادي.

5. أيها الناس إن عدة الشهور عند الله اثنا عشــر شتهراً منها أربعة حرم..تأكيداً على احترام الوقت وقدسية الأمن والسلام وسلامة البيئة.

6. أيها الناس اســـتوصوا بالنساء خيراً فلكم عليهن حــقاً ولهن عليكم حقاً .. تأكيدا على أهمية دور المرأة شريكة متكاملة الشراكة مع الرجل في تحمل مسؤوليات الحياة .

7. أيها الناس إن الله قد حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرماً فلا تظالموا .. تأكيداً على أن العدل أساس كل فضيلة وأنه الحارس الأضمن لأمن العباد والبلاد .

إن هذه الأعمدة السبعة ، التي تضمنها الميثاق العالمي لخطبة الوداع ، وما يتفرع عنها من قيم ومبادئ ، وما يتسق معها مما تزخر به توجيهات القرآن الكريم ، ومما تفصل فيه وترفده أقوال وأفعال السنة المطهرة ، وما استنه الخلفاء الراشدون المهديون من بعد ، لهي بجملتها تكّون الأسس الراسخة، والمعالم الجلية للميثاق العالمي الإسلامي أو( العقد الاجتماعي العالمي ) ، للنهوض بشرف مهمة الاستخلاف في الأرض ، والاضطلاع بمسؤوليات أمانة عمارتها ، وإقامة العدل في ربوعها، و الميثاق العالمي الإسلام أو (العقد الاجتماعي العالمي الإسلامي ) , يشكل الأساس القيمي والمعيار الأخلاقي , لتصريف شؤون الناس وإدارة مصالحهم المشتركة وتحقيق التعايش العادل والآمن بينهم .. وفق أسس ومنطلقات الميثاق العالمي للمصالح البشرية , الذي رسم قواعده وحدد منطلقاته ربهم وخلقهم جلّ شأنه اللطيف الخبير بما ينفعهم ويصلح شأنهم .

ثالثاً - الميثاق العالمي للمصالح البشرية .. ويقوم على قواعد ومنطلقات عامة منها :

01. أن الناس جميعاً شركاء في مهمة الاستخلاف في الأرض .

02. أن عمارة الأرض وإقامة العدل بين الناس غايتان أساسيتان لأمانة الاستخلاف الرباني .

03. أن الناس شركاء في ثروات الكون ، على أساس من احترام حق التملك ، وصون مشروعية حــق الانتفاع .

04. أن حياة الإنسان وكرامته ، أمران مقدســــان لا يــجوز انتهاكهما بغير حق .

05. أن الرجل والمرأة شريكان تتكامل مسؤولياتهما من أجــــــل عمارة الأرض وإقامة العدل .

06. أن الأرض والبـــــيــئة ، هما ســكــن البــــشــرية المـــشترك ، ينبغي المحافظة على سلامتهما وعدم إفسادهما .

07. أن الحقوق والواجبات أمور متكاملة ومـــتلازمة ، لتبقى العلاقة متوازنة ومنضبطة ، بين مسؤوليات الإنتاج وأخلاقيات ومسؤوليات الاستهلاك .

08. أن الأمـــن الإقليــــمي والأمـــــن الــدولي ، أمران متلازمان ومتكاملان لا يجوز بحال انتـــــــهاك أحدهما لحساب الآخر .

09. أن التدافع الحضاري والتعاون البشري ، أمران واجـــــبان لدرء المفاسد والمخاطـــــر، وجـلــــب المصــالح والمنافع المشتركة بين الناس .

10. أن التعارف والتواصل الثقافي والمعرفي بين الناس ، أمر إيـــــجابي لتنمية العلاقات وتطوير المصــالح المشتركة بينهم .

11. أن التنوع الديني والثقافي ينبغي أن يكون حافزاً على التنافس في عمل الخير , لا مادة للصدام والنزاع .

12. أن السلم والتعايش العادل والآمن هو أصل العلاقة بين الناس والمجتمعات .

إن هذه المواثيق الثلاثة تكون في تكاملها الأساس لمنظمومة الإسلام من أجل عالمية عادلة وعولمة راشدة آمنة .. والإسلام وهو يطرح هذه المواثيق الثلاثة بشأن التعامل بين الناس في الحياة الدنيا .. إنما هو تأكيد على أن رسالة الإسلام هي رسالة الحياة للناس دون تمييز .. وأن الآخرة هي ميدان التفاضل بينهم عند الله .. وأنه سبحانه سيفصل بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون .. وسيبطل الباطل ويحق الحق .. وسينال كل من الخلائق جزاءه حسب ما قدم .. إن خيراً فخير وإن شراً فشر .. أما الحياة الدنيا فهي للجميع كل حسب جهده وعمله ومهارته , من غير بخس ولا نقص ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها سنوفي إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون .. الآية ) بل ويؤكد الإســــلام على الناس جميعاً ويدعوهم على اختلاف مللهم وشـــرائعهم , ليتنافسوا في عمل الخير وليدخلوا معاً ميادين التسابق في كل ما يحقق النفع والفلاح للجميع في الحياة الدنيا ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم فيما كنتم فيه تختلفون ) .

فهذا النداء الرباني العظيم لهو منطلق أساس ومدخل سليم لعولمة راشدة تنقذ المسيرة البشرية مما يهددها من أخطار مدمرة .. والذي من أبرز سماتها اليوم :
أولاً - طغيان ثقافة عسكرة العلاقة الدولية على حساب ثقافة السلم والحوار.
· مما يبدد حلم القرية الدولية الآمنة .. الذي طالما تحدثنا عنها كثيراً رمزاً للتعارف والتقارب والتعايش البشري .
· وينمّى منهجية التدابر والتخاصم والتصادم بين الثقافات والحضارات .. على حساب آمال الشعوب والمجتمعات الدولية في الأمن والاسـتقرار والنماء .
· ومما يجـعل ثقافة العنف والإرهاب والغلــو والتطرف .. هي الثقافة المهيمنة على سـلوكيات غالب الأفراد والمجتمعات .. وعلى كثير من السياسات الإقليمية والدولية .
· الأمر الذي يولد الرعب والقلق والهلع في نفوس الأجيال .. ويفسد البيئة ويعطل أسباب التنمية .. ويشيع ضنك العيش والأمان .
ومما يؤسف له أن مراكز علمية مرمـــوقة في العـــالم اليوم تنظر لثقافة الصـراع والصــدام بين الحضارات .. وآخرون ينظّرون لنهاية سقف الإبداع البشري .. زعماً منهم أن ثقافة جـــهة ما في الأرض قد بلغت قمـــة الإبـــداع الحضــاري والثقافي .. مما لم يدع فرصــة أو حاجة لمزيد من إبداع أو ارتقاء .. فطلعوا على البشرية بمقولة نهاية التاريخ ؟؟!!!
وذات مرة قلت لصاحب هذه المقولة وأنا أحاوره في بطلان مقولته : عليك أن تدرك أن حركة التاريخ مرتبطة بحركة العلم .. وأن حركة العلم وثيقة الصلة بنبض الحياة .. فلا نهاية للتاريخ إلا مع توقف نبض الحياة.

أما صاحب مقولة صدام الحضارات .. فقد قيل له خلال مؤتمر دولي عقد للحوار بين الحضارات.. إنك تروّج وتؤصل لثقافة الحروب والدمار .. فقال الصراع نزعة بشرية تمليها حاجة البقاء .. فقيل له : ولكن عليك أن تدرك أن ثقافة الصدام والحروب هي مدمرات البقاء.

ثانياً - اختلال موازين السير الحضاري في الأرض.. ومنها اختلال العلاقة بين ثمرات الإبداع الحضاري ومعايير استخدامها .

· وللرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت عبارة دقيقة في هذا السياق حيث يقول : ليس ما نملك هو المهم لنكون أمة عظيمة , ولكن المهم هي الطريقة التي نستخدم بها ما نملك.

· ويقول جون فوستر دلس وزير الخارجية الأمريكي المشهور: إن الأمر لا يتعلق في الماديات .. فلدينا أعظم إنتاج عالمي في الأشياء المادية .. إن الذي ينقصنا هو إيمان قوي .. فبدونه يكون كل ما لدينا قليلاً .

· ويقول المستر إيدن رئيس وزراء بريطانيا الأسبق في خطاب له 1928 م : ومن الغريب المضحك أن الدول تنفق ملايين الجنيهات لوقاية نفسها من آلة فتاكة تخافها , ولكنها لا تنفق شيئاً على ضبطها.

· أما الفيلسوف والحكيم الهندي المشهور طاغور قال ذات مرة لصديق له غربي وهو يحـــــاوره : لقد استطــــعتم الطيران في السماء كالطيور , وأن تغوصوا في البحار كالأسماك , ولكنكم لم تتعلموا بعد المشي في الأرض كإنسان .

· واشتهر عن كنفوشيوس قوله : على الحكومة أن توفر ثلاثة أمور للناس ( العتاد الحربي , والغذاء , والنظام ) وسئل ذات مرة : لو طلب منك التخلي عن واحدة من هذه الثلاثة فبأيهما تبدأ ؟ فقال : العتاد الحربي .. فقيل له : فإن خيرت بين الغذاء والنظام فعن أيهما تتخلى ؟ قال : أتخلى عن الغذاء . . ثم علق قائلاً : العتاد مع الفوضى هــــلاك ودمـــــار .. ومـــــع الفــــوضى يفتقد الغذاء ويتوقف النماء .. وكونفشيوس بالمناسبة هـــو صاحب العبارة الشهيرة العظيمة : إذا قام البيت على أساس سليم أمن العالم وسلم .

· ويقول نكسون الرئيس الأسبق لأمريكا في كتابه الشهير الفرصة السانحة : في القرن العشرين خطا تقدمنا التكنولوجي خطوات أبعد من تقدمنا السياسي .. وهو الأمر الذي ينبغي ألا ندعه يحدث في القرن القادم .. من أجل أن نقلل من فرص الحروب .. وزيادة المشاركة في خيرات السلام .

· ومن تراثنا الحضاري القول المأثور : المؤمن الكيس من عرف زمانه واستقامت طريقته .

أردت بحشد هذا الاستدلالات من أقوال الساسة والحكماء والمفكرين من بني البشـــر , تأكيداً على أهمية التوازن الدقيق والتكامل الوثيق بين الماديات والوسائل والمهارات , وبين القيم والمبادئ والأخلاق في تحقيق السير الحضاري الآمن في الأرض.

وأردت بكل ما سبـــق من قول حــــول ما يهدد المسـيرة البشرية من خطر في إطار العـــولمة الراهنة .. وثمــرة نكدة من إفرازات نهجها العبثي الظالم , ليكون توطئة للتفصيل في آفاق النـداء الإسـلامي العظيـم الـذي وجهـه رب العالمين جلّ شأنه للبشـرية جمعاء.. مـن وراء أربعـة عشر قرناً ( فاستبقوا الخيرات .. ) .

ورد هذا النداء في كتاب الله تعالى في آيتين اثنتين :

الأولى في سورة البقرة ورقمها 148 ( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأتي بكم الله جميعا ًإن الله على كل شئ قدير ) .

والثانية في سورة المائدة ورقمها 48 ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم فيما كنتم فيه تختلفون ) .

وقد استــوقفني هذا النص القــرآني العظيم ( فاستبقوا الخيرات ) في سياق انشغالي واهتمامي بأزمة فهم علاقاتنا مع الآخر , في إطار مهمة الاستخلاف في الأرض والنهوض المشترك بمسؤوليات أمانة الاستخلاف , وفي سياق انشغالي بمسألة العولمة والعالمية والعلاقة بينهما , فأخذت أتأمل هاتين الآيتين الكريمتين وأتدبر معانيهما استكشافاً لدلالاتهما ومقاصدهما.. ورجعت إلى أقوال المفسرين رحمهم الله تعالى فوجدتها تتحــــدث عـــن المعنى الخـــاص المرتبط بأســــباب النزول لكل من الآيتين , والمعنى العــــام وما تشمله دلالاتهما من معاني ومقاصد بهذا الشأن .. حيث وجدتهم رحمهم الله تعالى متفقين على المعنى العام وهو ( أن الله تعالى بهذا النداء يدعوا الناس جميعاً على اختلاف وجهاتهم وشرائعهم إلى التنافس في فعل الخير , فذلك أجدى في البرهان على الحق الذي يدعيه كل فريق منهم .. وأن الفصل في النهاية بيد الله تعالى في إحقاق الحق وإبطال الباطل ) .

وقد شجعني هذا المعنى على المضي في بلورة رؤية فكرية طالما انشغلت بها , حول العلاقة بين المسلم وغير المسلم في ميادين الحياة .. وبشأن طبيعة الشركة بين الناس في حمل مسؤوليات أمانة الاستخلاف في الأرض .. وبدأت أتأمل وأتدبر النصوص ذات الصلة بهذا الموضوع فوجدت أن القرآن الكريم يحدثنا عن :

· غاية الخلق بقول الله تعالى : ( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ) 56 الذريات .

· وأن الأكوان كلها في عبادة الله تعالى ( تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً ) 44 الإسراء .

· وأن الإنسان مستخلف في الأرض بأمر الله سبحانه ( إني جاعل في الأرض خليفة ) 30 البقرة.

· وأن مهمة الاستخلاف هي عمارة الأرض وإقامة العدل ( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ) 61 هود , ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان .. ) 90 النحل .

· ووقفت طويلاً أمام قوله تعالى ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ) 72 الأحزاب , ورجعت إلى أقوال المفسرين فوجدتهم رحمهم الله تعالى قد جالوا في معانيها واختلفوا في شأن تأويلها اختلافاً كبيراً تبلور فيما يزيد عن عشرين معناً .. وجدت نفسي معها أقرب إلى من رجح المقصود بالأمانة بأنها أمانة النهوض بمهمة الاستخلاف في الأرض وإقامة العدل , وهذا ما يؤيده ويؤكده قول الله تعالى ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعضكم به إن الله كان سميعاً بصيراً ) 58 النساء .

· ويمضي القرآن الكريم يحدثنا بأن الحياة الدنيا وزينتها وفرص الإبداع والاســتمتاع بخيراتها متاح للجميع من غير بخس ولا نقص ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخســون ) 15 هود .

· كما يحدثنا القرآن أن الكون كله مسخر بأمر الله تعالى بين يدي الإنسان للنهوض بمسؤوليات أمانة الاستخلاف ( وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقــــمر دائبين وســــخر لكـــم الليل والنــــهار ) 32 – 33 إبراهيم , ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) 13 الجاثية .

· بل اقتضت مشيئة الله تعالى وحكمته تسخير الناس بعضهم لبعض لتفعيل مهمة الاستخلاف والتعاون في تحمل مسؤولياتها ( أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخريّاً ورحمت ربك خير مما يجمعون ) 32 الزخرف .

إن هذه السياحة الممتعة في رحاب رياض كتاب الله العظيم .. وضعتنا أمام منظـــومة متناغــــمة من الآيات .. تؤسس لمــــنهج ثقافي وحضاري عالمي .. حيث توضح لنا وتؤكد أن إرادة الله تباركت أسماؤه ومشيئته وحكمته قد قضت بتكليف الإنسان بصفته إنساناً للقيام بمهمة عمارة الأرض وإقامة العدل .. كما اقتضت مشيئته جلّ شأنه أن تكون هذه المهمة وهذا التشريف الرباني موضع تعاون وتنافس بين الناس , مع وجود الاختلاف والتنوع في العقائد والشرائع , لأنها مهمة ربانية جامعة تقتضيها مصلحة الإنسان في مسيرة الحياة الدنيا وغاياتها المشتركة .. مما ينبغي أن يكون معها التنـوع في العقائد والشرائع .. ومن ثم التنوع في الثقافات والحضارات .. تنوعاً حافزاً على التعاون والتنافس في الخير .. لا مصدراً وحافزاً على التضاد والتصادم والدمار .. بل أن هناك توجيهاً ربانياً واضح الدلالة والمقصد .. يطالب الناس جميعاً بأن لا يطيلوا الجدل والمراء بشأن موضوعات الاختلاف والتنوع الديني , بالشكل الذي يفسد أسباب التعايش الآمن بينهم .. وليتخذوا من هذا التنوع سبيــلاً للتعاون والتنافس في الخيرات .. فــذلك أجدى في البرهان على الحـــق الذي يدعيه كل فريق منهم .. وأن الفصل في النهاية بيد الله تعالى في إحقاق الحق وإبطال الباطل ( فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) ويؤكد الله تعالى ذلك بقوله سبحانه : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شئ شهيد ) 17 الحج .

أجل إن هذا النداء الرباني العظيم ( فاستبقوا الخيرات ) إنما هو توجيه خالد للناس جميعاً على اختلاف أعراقهم وأديانهم وشرائعم وأجناسهم وألوانهم للتعاون والتنافس في فعل الخير , وإنه لأوضح بيان وأبلغ برهان على أن رسالة الإســلام العظيم .. إنما هي رسالة عالمية عادلة لتحقيق الخيرات في الأرض .. وأنها رســـالة العدل والســـــلام .. ورســـالة الأمـــن والاستقرار .. ورسالة التنمية والعولمة الراشدة بين العباد . . عولمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. عولمة كل ما عرف خيره وتعين نفعه للناس .. واستنكار ومقاومة كل ما عرف شره وتعين ضرره للناس .. عولمة التلازم والتكامل مع نظام عالمي عادل .. لا عولمة التمرد على العدل .. وعولمة إقصاء النظام العالمي لصالح حالة اللانظام والفوضى التي تسود العالم اليوم .. تحت سطوة وهيمنة حيتان المال وتجار الحروب والدمار .. ومن يسير في ركابهم ممن انخدعوا بهم أو خضعوا لهم للأسف من صناع القرار الدولي .. لذا نؤكد بأن الإســـلام مع التلازم والتكامل بين العالمية العادلة والعولمة الراشدة .. ويؤيد كل منهج سليم وراشد لعولمة الخير والفضـيلة .. على أســـاس من نظـــام عالــــمي عادل يحكم حـــركتها ويضبط معــاييرها ووســائلها بما يحـــافظ على كـــرامة الإنسان , ويصون سلامة البيئة .. ويحقق التعايش الآمن والعادل بين الناس أفراداً ومجتمعات . . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

إعداد:الدكتور حامد بن أحمد الرفاعي
رئيس المنتدى الإسلامي العالمي للحوار

Admin
Admin

عدد المساهمات : 3153
تاريخ التسجيل : 05/03/2012

https://alhoriyatmaroc.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى